الأربعاء , 16 يونيو 2021
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

(الله واحد) .. فصل من رواية ( العوجة ) للشاعر والروائي: د. كارم عزيز

(الله واحد)

 

    تراقص لسان النار وتلوَّى في صعوده في الفراغ ، مُدغدِغا ذرَّات الهواء ومعلنا عن بدء امتداد طرف الحكايات إلى الكون كله.

وتهيَّأ المساء كامرأة ليلة الجمعة ، فأرسل لسعة لطيفة من البرد ليكون هناك عمل للنار … صوت طَشطشة ينتج عن تعانق النار وقطرات الماء العالقة أسفل كنكنة الشاي السوداء … شهاب ناري يتمزق ويتناثر فوق قطعة الأرض الشراقي ، فيتصاعد دخان المعسِّل ساحبا الكلمات من فم العم “طه” – متهدِّجة في البداية ، مختلطة بدفقات متتابعة من الدخان وهو يُقطِّف(1) ، وفي عينيه نظرة معناها (عارف أنكم على جمر الشوق للحكايات) :

– وحدوا الله !

– لا إله إلا الله .

– وصلُّوا على الشفيع المشفَّع يوم الدين !

– عليه الصلاة والسلام .

– أخذت نفْسي في يوم بعد العصر ، وكنت أشعر أن شيئا كابسا على نفَسي ، وتوجهت إلى مقام (سيدي أبو عامر) ، وبدأت الدخول بقدمي اليمين وأنا أُسمّي ، وقلت أبدأ الطّواف حول المقصورة ، لكني شيء لا أعرفه سحب عينيَّ وفرّق نورهما على المكان كله فكنت كأني أرى المقام أو أدخله لأول مرة …

 

توقف العم طه للحظة ورفع رأسه إلى السماء وأغمض عينيه ، ثم عاود الكلام :

– الغرفة مربَّعة من السِّفل حتى نهاية الثلث التحتاني ….

– أنت تكلم نفسك يا عم طه ؟!   قاطعته بزهق خفيف لم يصل إلى حد الضيق .

– الصبر حلو ! قال العم حسنين وهو يربت على يدي .

 

انتبه العم طه وبدا كالعائد من رحلة في البعيد ، وضحك وقال :

– شغلانة الراوي صعبة والاختصار يفسد الحكاية .

– بـ .. بـر ..بـراح .. براحتك يا بـ .. بـر .. بركة . رد سعد الأفريقي .

 

تبسم الجالسون خفية ، واعتدل العم طه في جلسته ثانية ،وأطلق عينيه في الظلام المرقّش ببعض الأضواء الخافتة المتناثرة ، وجاء صوته أكثر وضوحا :

– المهم بدأت أدور حول المقصورة وأنا أقرأ ما حفظته عن الشيخ طلبة من قرآن وأدعية ، وجلست في واحد من الركنين المواجهين لباب المقام ، وأقفلت عينيَّ وسِحْت في ملكوت الله ، ولم أرجع إلا على صوت همهمة وحنين ، ففتحت عينيَّ بسرعة فرأيت شبحا في الظلام الخفيف المشرَّب بضوء الشموع: رجل ربعة يمسك خشب المقصورة بشدة ويتكلم بكلام غير واضح … زحفت – لا مؤاخذة – على قعدتي ببطء ، وحاولت أن لا أخرج صوتا حتى أصبحت تحت رجليه تقريبا ، وهنا وضح كلامه: ” … أنت تعلم ضعفي وقلة حيلتي وهواني على نفسي .. أنت مبروك وتعلم أن معي امرأتين مثل الأرض البور ولم تَبِلّ واحدة منهما ريقي بعزوة أعوزها جدا .. توسلْ بنفَسك الطاهر إلى ربك ليرزقني بطل يا بطل ! ” …

 

ساعتها دخل خادم المقام ببطء ووضع كُلوبّين(2) – كل واحد في ركن ، فبات الضوء أقوى وبدأ وجه الشبح تظهر ملامحه ، فاستغربْت وهتفْت – لكن بصوت خافت: “المعلم مرسي العزايزي !” ، لكن كأن شيئا لم يقطع حرقة الدعاء ، فاستمر بغير أن يلتفت: ” أنت تعلم أني انفصلت عن جذوري ، لا هروبا من ثأر ولا خلافا مع أبي وإخوتي ، ولكنه الداعي – الذي هو أنت – جاء يكلمني في الصحيان والمنام ويأمرني ويبشرني ، فلبّيت وجئت وأصبحت من أول عُمّار المكان … فهل انفصلت عن هناك لأموت هنا بغير ذكرى ولا امتداد ؟ .. أنا أسّست البيت كما أمرني الهاتف – الذي هو أنت أيضا – واسعا ليلم ماء ظهري ، وزرعت الكافورة أمامه لتكون ذريتي كفروعها الممتدة … أنت تعلم كل ذلك فما الحكاية ؟! … أولاد أبو دبّوس يطمعون فيَّ والفسخانية شايفين أنفسهم ، والحياة ليست جنة ، والسوق سوء ، ولا يعمل للبني آدم اسما إلا ذراعه … اسأل ربك يا أبو الكرامات أن يعمِّر بيتي بذرية كثيرة منها بطل يسند ظهري ويعمل لنا اسما” …

وبدأ الصوت يختفي تحت خنقة البكاء ، ولمعت في ضوء الكلوبين دمعتان على خدّي الرجل لكنه استكبر أن يظهر ضعيفا أمام صاحب الصوت الذي كلّمه قبلها بقليل – يعني أنا – ولم يكن ساعتها يعرف من الذي كلّمه ، فمسحهما بأكمام جلبابه البلدي ثم عدل العمامة التى ظن أن لفّتها تلخبطت عندما أسند رأسه إلى خشب المقصورة … بعدها أبعد جسمه قليلا عن المقصورة ورفع يديه في هيأة الدعاء وقرأ: “بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ….. ولا الضالين . آمين “.

– خير يا معلّم ! قلت له.

فمسح وجهه بباطن كفيه والتفت إليَّ ودقَّق قليلا في وجهي ثم قال بصوت بين الضعف والقوة :

– كيف حالك يا طه ؟

– نحمده ! مالك يا معلم كفى الله الشر ؟ أجبته بسرعة .

فابتسم ابتسامة مكسورة ، وكأنه يوقف السؤال عند هذا الحد ، قال :

– أبدا .. تنفيس!

ثم أمسك بذراعي اليسرى وضغط عليه بنصف قوة وقال:

– خارج ؟!

وعندما اتجهنا إلى باب المقام خارجين ، سمعنا صوتا مبحوحا هامسا يأتي من خلفنا ، شلَّ حركتنا من الرعب :

– سيكون لك ما سألت بإذن الله ، فاصبر واحفظ وحفّظ تحفظ !

فوقع الرجل من يدي ، وانطلقت أنا أسابق الريح ، رغم أنه لم تكن هناك ريح .

—————————

(1) يقطف : لفظة شعبية من مفردات المقاهي والغرز معناها أن يسحب الشخص بفمه أنفاسا قصيرة وسريعة متتابعة من الدخان ، ليشبط نار الكوالح أو الفحم في المعسل.

(2) الكلوب : أداة قديمة للإضاءة تقوم على نفس فكرة (وابور الجاز) ، تتكون من خزان نحاسي للكيروسين يمثل قاعدة الكلوب ، تخرج منه ماسورة ترتفع لأعلى حوالى 50 سم ، وتلتوي في طرفها العلوي فتشبه صورة مصغرة لعامود الإضاءة الذي في  الشوارع ، وفى اخرها قطعة من القماش الحراري تسمى “راتينة” ، يتم إشعالها بكبريت ، وعند اشتعالها يهيأ للناظر أنها تذوب لكنها بعد ثوان تبعث نورا أبيض يشبه نور (النيون) ، يبدو أوضح وأنصع بعد وضع زجاجة معينة حول الراتينة.

شاهد أيضاً

قصيدة شكل للجنازات الجنوبية إلى (سناء محيدلي ) للشاعر د. كارم عزيز

هذى جنازاتُ الحروفِ ، الآنَ تمرقُ في تجاعيد الجنوب وُتطِلُّ من خلف الظلام حمامةٌ نفضتْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *