ونيس – أحمد البدرى

img

الوحدة ترافقني.. الشارع فارغ ممتد يكسوه الصمت، أغني..أتوقف..أسترق السمع لدبيب حذائي..أقوم بأفعال كثيرة كي أطرد هلعي وخوفي، تزاحمني الأفكار بحثا عن الونس والطمأنينة بأي شكل، أبحث عن شيء داخلي يبدد خوفي، أو يخترق هذا الموت القابع على جنبات الشارع، تلك الأضواء الشاحبة تأتي من بعيد مرتعشة هزيلة، وبرغم أن أذان المغرب لم ينطلق بعد وربما أننا في شهر رمضان؛ فالجميع في بيتوتهم يستعدون للإفطار.

فكرت ..لما تواجدت في هذا المكان وفي هذا الوقت؟ لعنت سائق الحافلة الذي ألقى بي هنا، فجأة ذهبت عني وحدتي عندما وجدته أمامي، كان شبحا حتى أقترب مني، بدا لي شبحا شاهرا سلاحه مرتديا ثوب البلطجة، وقد تمخض عنه الشارع المسلوب من كل سبل الحياة.

أختلط داخلي الشعور بالخوف والدهشة في آن واحد،كيف أتعامل معه..ماذا يريد مني ..كيف حضر..أين كان.. وما هذه السرعة وكأنه هبط من السماء ..من أي أتجاه حضر..هل هذا الجسد الضخم لم يحدث صوتا..أو لم يعطل تقدمه شيء..ربما لم يقترب مني أكثر؟!
لكنه أقترب؛ فقتلت الخوف داخلي،استجمعت قوتي تحفزت للمنازلة وأنا أعلم جيدا أنني الخاسر، أراوغ هذا الشبح قليلا لعل وعسى، نظرت إلى وجهه بدىا لي طفوليا وملابسه المتخسة، تقدم نحوي بجرأة مصطنعة (هات اللي معاك يا باه وبسرعة،وأي حركة المطوة دي هتسكن في جنبك).
ابتسمت في وجهه وأنا مشفقا عليه، نظرت في عينيه ..أخترقتهما..وجدت الحرمان والقهر يركضان داخله، أقتربت منه أكثر، تملكت منه الرعشة؛ فخرجت كلماته متقطعة مرتبكة،أخرجت علبة سجائر جديدة، إلتفطها بسرعةوأدار ظهره تاركني لوحدتي من جديد، ناديت عليه :- أنتظر..مازالت هناك أشياء أخرى، وقف مكانه بلا حراك ، رتبت على كتفه من الخلف، استدار ..دسست في كفه جنيهات قليلة، نظر نحوي وابتسم ظهر وجهه الطفولي من جديد، سقطت دموعه (من يومين ما دقت الزاد) .
ألقى برأسه على كتفي، أرتفع بكاؤه، لم أتمالك نفسي ضممته إلى صدري؛تلاشى البكاء رويدا تركني ورحل، تحسست جيبي لم أجد حافظة نقودي

مواضيع متعلقة