الفارس – أشرف الخريبى

img

وأنت مُجبر تعودا..
لما وقفت النسوة العجائز خلف الباب مولولات، صارخات، يهبدن بالكفوف ويلطمن الخدود فتزيد حمرتها، يصحن، يشقون أثوابهن، لتبين عوراتهن في العراء، ولا يخجلن من الرجال المارين بالطريق مُبحلقين بغير عناء…

لمي ثوبك يا امرأة..

حطت الشمس في الأفق باسترخاء واسترخت الأهداب ، الأجساد ساحت، كان العرق ينز والأرواح الهائمة تهيمفي الملكوت ، تُسبح الملائكة في السماء باسم الله، الأعمدة تترك الإسفلت صاعدة لأعلي ، لتخور الأرصفة وتتهدل الأرض وتهتز كزلزال
مُمتعضا رأيتك وأنت تجلس يا حبيبي يا حسين. متأففا وزاهدا في نساء العالمين، غارقا فى تجاعيد وجهك الأسمر الطافح بالخطوط الطولية، متحسسا دوائر هلامية في شعرك الأشيب قليلا
لما قلت: الليل والنجمات ورائحة بائع الفل وشارع الكورنيش….
وقلت : المكان الذي راعي طفولتي وعفويتك وغرابتك وبلادتك أيضا،
وقلت… حين تلاقت شظايا عيوننا في بحر الدنيا الوسيع….
آه منك يا حسين وأنت أبو الفُهام والعارف بأحوال الخلق أكثر مني.
أنت حبيب طفولتي وعمري وأيامي أهديتها لك منذ زمن بعيد..
فهل تعرف حين كانت السيارات تمر وكانت النسوة يجلسن ممددات طوليا وعرضيا علي الأرصفة، افترشن وجوه الرجال علي أثوابهن الممزقة، قرفصن أقدامهن وظهر جزء الشمس المختفي خلف الأفق، رمين في الهواء أثوابهن وجرين مُهرولات ناحبات ضاربات بالأيدي الناحلة علي الجدران…
.بيد أنهن سكتن وعيونهن تترقب الأفق يتساندن علي بعضهن في حزن، تنطفيء الأيام تنطفىء وتسيل الدمعات تسيل، تتفجر البراكين وتنحدر المياه في الشوارع تختلط بالأتربة الكثيرة، تصير طينا لزجا يعطل حركة الناس والمرور، لم يبق غير تدفق الدمعات والصراخات والعذابات لتملأ البحر والنهر والمحيط وتملأني

وأنت مُجبر تعودا..

فأحيانا كنت أري في عيونك المفعمة بالتوتر ذلك الحزن المنسدل في أحشائك, وكأنه خارجا لتوه من أنقاض حريق مروع،
وأحيانا كنت أري ذلك الهدوء المنساب حنينا طيبا وصادقا وبارعا وكأنه ثوب من طمأنينة أبدية, لا تروح تلك اللازمة لشيخ مسن…
ماذا بك ؟
– ……..
– لا تجلس صامتا هكذا.
– ……..
– هل حدث شيئا ؟
أهز كتفاك بلا جدوي

لمي ثوبك يا امرأة.

تدعك روحدك من أجل لقمة العيش.. أعرف

تهين كرامتك وكبريائك في أرض المهزلة.. أعرف

تُحدثني عن سارتر وأفلاطون والأولاد والحارة والبيت القذر.. أعرف

تحدثني عن صباياك الملاح وورد النيل وتضحك لتفر من الأحلام.. لا أعرف.
أود أن أصرخ فيك أني أعرف ولا أعرف ولا أود أن أعرف…
كل ما قلته أو لم تقله، لأنهم حين فتحوا الباب هرولت النسوة يتساندن علي بعضهن ، جرجرن بقايا أثوابهن الممزقة والمفروش عليها وجوه الرجال، لوحت الشمس من الأفق بيديها ، تعلقت العيون بالسماء وترقبت الحلوق صوت نزيف المياه والأجساد الهامسة تهمس، والأرواح تهيم، ولما أغلقوا الباب بقوة خمسين ألف امرأة دوي صراخ عال بلغ عنان السماء، كان الصراخ مُتواصلا وحادا ومزلزلا، لكل الرجال والنساء،
وقيل أن السيارات فتحت أبوابها متمردة علي سائقيها، ومُعلنة إضرابا عاما بسبب بطء حركة المرور، وكثرة الاشارات، والضجيج
وقيل أن النسوة ظللن يصرخن حتى انهارت العمارات وتهدمت الشوارع والأرصفة.
وقيل أن انفجارا ما هو الذي أدي إلي هذا الصوت المتواصل.
وقيل أن طائرا غريبا ذو حجم غير طبيعي قد هبط من كوكب المشتري يُبلغ سكان الأرض بقرب القيامة، كان يحمل أوراقا
وقيل كلام كثير وأنت لا تصدق ما قيل ولا تصدق ما قلت.
بيد أن الشمس قد سقطت طريحة الفراش وأنت قائم من مقامك.
أنت السيف والفارس يا حبيبي.
هل تذكر ما قلناه أيام زمان.
أنت غليظ ، قاس، وفظ وشخص أخر غيرك لا أعرفه
أصابني الإحباط واليأس من محاورة عينيك المفعمة بالتوتر والارتباك.
وقلت انك تحبني.
أصابني الذهول والذعر من ضحكاتك الهزلية الساخرة.
أصابني الرعب من جلوسك المستحيل في مكانك ، والملل من حياتي معك وحياتك معي.

وأنت مُجبر تعودا..

النسوة ظللن يضربن بالكفوف علي الأبواب, علي الشبابيك، يصرخن ويتساقطن واحدة تلو الأخرى علي اثر ضربك الصارخ فيهن.
ارحم يا رجل الله في السماء يرحم.

– لمي ثوبك يا امرأة.
هل كن قد وقعن شهيدات غرامك وأنت يا حبيبي يا حسين…
تحدثهن كأنك أبا لهن, تلاطفهن وتهدهدهن، تمسح علي أكتافهن النحيلة، تختار لنفسك أغلظ الأكتاف وتمر عليها بيدك المرعوشة.تفقع عين امرأة بأم إصبعك وتقول : أصلها خادمة حقيرة … تقهقه، وبقايا نهنهات الضحك في فمك
أسألك عن هذا فتجيب بأبهة أبو الفهام: انك تعرف
فأسألك عما تعرف ولا أعرف،
تقول كالخضر لن تطيق معي صبرا.
– مالك ومال النسوة يا رجل.
– مالك ومالي أنت يا امرأة.
أنا زوجتك ولا أطيق يا حسين،
كيف أطيق يدك التي امتدت علي كنوز المرآة وطوقتها من خصرها ونحيتها جانبا، لما انهرس جسدك في جسدها ، رأيتك رؤى العين للعين، تخلع ملابسك عارية ليبين عريك وعريها ، وأنت تدكها في أرضية الشارع المتسخ، تخبط رأسه ليرتطم بالزجاج ، والنسوة يدرن حولكما ويزغردن، وأنتم في دائرة مُحكمة من الأيادي النحيلة منزوعة الأظافر.
كنت تقوم بنصفك العلوي. وبعنف. تعاود دك المرأة تحتك.
كيف أطيق حين تصطك أسنانك الغليظة وتنغرز في لحم المرآة. تأكل منها بشراهة.. وتمص دمها … ثم تجيء في حضني كطفل بريء، تقف من مكانك تراقب من بعيد، نتائج فعلتك أمسكت ستارة الحجرة وانكمشت فيها لفلفتها حولك وبجانب عينيك نظرت كمسكين وبكيت بكاء لاذعا , انحرفت دموعك وجففتها لك بيدي
والنسوة يجرين في الشوارع عاريات تماما أمام بالوعات المجاري تقفز الواحدة منهن بلا خوف ولا فزع، وأنت فزع وتائه في أحضاني، وتسيل دموعك تسيل
هل تذكر وآنت تضحك وهن يقفزن
هل تذكر صراخهن المدوي وضحكاتك الساخرة ؟
أنا اذكر إشارات يدك وإشارات المرور وإشارات النفري الذي حدثتني عنه وبائع الترمس وحارة أبو المعاطى وقهوة الزغلول وحمص الشام وقهوتك السادة الباردة وعراك قدمك مع إسفلت الشارع, وبصقات فمك المتوالية علي زمن عاهر،
أنت العاهر ابن العاهرة يا حسين..
لأني كنت أدخلك بلا رغبة حقيقية في فهم معانيك أو فك طلاسمك البليدة فأنت وغد ودنيء
ولاني أدخلك كنت بلا جدوى من طوافي الدائم في الدنيا.ألوك لحظات طوال حزنك ويأسك.
فأنت فارسي وحصني. ولأني كنت فقط هكذا أراعيك وأرحب بوجودك الفذ في رحمي.
فأنت مغرور ومستبد، ومجبر تعود.مملا ترجع، ساخرا تتحدث ،تهجر الشارع والمقهى والناس وتتأفف.وتقول أنك ستقتلهم جميعا. ستقتلهم أكيدا ولما أسألك عنهم.
تقول: قفي مكانك يا امرأة.
وقفت لصق الحائط حين شخط فيّ
لمي ثوبك يا امرأة
لملمته كما أمرت
إياك اسمع صوتك يا امرأة
انخرست كما قلت ووقفت لصق الحائط كما أشرت ولملمت ثوبي كما رأيت ولطمت خدي بيدك مرات كثيرة وسكت،أمسكت بأصابعك القوية شعري المتهدل ورفعت رأسي ناحيتك وابتسمت لك كما أمرت
والنسوة يضربن علي الباب بالكفوف زاعقات والشمس هاربة للمرة المليون في الأفق.ليست الشمس وراء الباب, هكذا قلت ضاحكا وهزيلا ممتعض الوجه.فرشت لك الأرضية بالورود والرياحين كما أمرت.
فرشت لك الصالة الصغيرة بالأغطية كما أمرت.
فأنت الآن وقبل الآن وبعد الآن الناهي \ الأمر \ والمنعم علي بعطفك ورعايتك وأنا أسمعك وأحفظك عن ظهر قلب.
وضعت الشلتة الحرير الذي تحب ووضعت كل عطورك فوق جسدي.
وبعنف….. لك..
وبعنف .. تغرز أسنانك في لحمي وتبكي !!
والنسوة في بالوعات المجاري يضحكن وينظرن إلي الشمس وهي تحط باسترخاء عذب لتسترخي الأهداب وتنعس الأجفان.
وأنت تقول: لمي ثوبك يا امرأة

———————————
اشرف الخريبي
روائي وناقد مصري عربي
Asherf1@gmail.com