تجربتى مع الكتابة

img

لا أعرف ما حصل لي !
وماذا يعنى ذلك بالتأكيد !
هل أبدو مختلفا عما كنت .. أو سائرا لا محالة إلى حيث لا أرغب .. أو ما أنا متوهم أنني راغب فيه ؟
ثمة قليل من الاختلاف حصل فعلا ..
” زحف الأبيض على أطرافي ، وغشي مساحة لا بأس بها من وجهي ، كدرني ذلك بعض الوقت ، لكنني تغلبت عليه ، وتشبثت بكوني أنا .. أنا ما كنت فعلا ، وما أنا الآن فيه ، وما الاختلاف الذي يعبرنى غير بعض تجاعيد وغضون وبهاق لا دخل لي فيه ولا برء منه ما دام التصق بى .. ليكن رفيقي.”
تأمل يديه وقلبها .. تحسس وجهه .. زم شفتيه ..ظللته سحابة هم .. إذا تبقعت ملابسك يمكنك تغييرها ، إما إذا تبقع وجهك وأطرافك ما الذي تفعله ؟
لا حيلة لى أذن ..أنا غيرى ، لا أنا أنا .
هل أنا فعلا أنا ؟
**

كثيرا ما ساءلت نفسي إذا ما عاد بى الزمن للوراء هل كنت سأسلك نفس الطريق التي سرت فيه ؟
وتكون الإجابة عندي : ليس لك خيار
فالأحلام التي بنيتها وشكلتني في فضائها وأركبتني مهر الجموح والاعتداد واليقين بأن فوارس الأيام هم الكتاب ، وورثة الأنبياء هم الكتاب ، وعيون الناس هم الكتاب ، وقلوب الناس هم الكتاب ، وألسنة الناس هم الكتاب .. أنا إذن فارس ” مجول ” وشيخها ، ووريثها ، وعينها التي تبصر، وقلبها الذي ينبض ، ولسانها الذي ينطق ، فلا طريق غير الطريق ولا رجوع عن الطريق .

**
من منا يريد أن يتعرى ؟!
من منا يريد أن يكون كما ولدته أمه ؟!
سماء مجول ملبدة بجبال الغيوم ، وسيعة بلا منتهى .. تقب وتغطس فيها عذابات لا أدرى كنهها .. أنا ابن الخامسة عشر ..
ربما لكونى أحمل أسمين .. جمال تيمنا وعشقا من أبى لعبد الناصر , وإيهاب كما قالت خالتى البيه الباشا صاحب الفيلا ــ القصر المقابلة لنادى البلدية الآن بالمحلة
ربما ميولي للوحدة ، وركوني بين أعواد القش فوق سطح الدار غارقا في ذاتى أو متأملا سماواتى ..
وربما لقراءاتى في كتب ” أولاد العز ” الذين يقطنون جوارنا ويمدنى بها ” اليمانى الحانوتى” كلما أختلس الدخول لقضاء حوائجهم ..
فعشت عوالم الأدب .. قرأت عودة الروح وسارة ، وتعرفت علي نفوس محفوظ وحاراته وترجمات أحمد أمين ، وكتابات المازنى ، والتابعى ، ومقار، وغيرهم .. ربما ..
وربما لطيبة أبي وجدة أمي .. وحالنا : جارنا من اليمين ” الحانوتى ” ومن اليسار ” فراش ” مدرسة إعدادية ، توهم يوما أنه ناظرها ، فعامل الحارة بمنطقه ..
وأمامنا تماما ” أولاد العز ” ينتمون بصلة ما إلي ” النحاس باشا ” قد يكون خالهم .. فلا أراهم إلا بيض الملابس ، بيض الوجوه ، ودائما ما يترفعون ..
وربما لخروجى في مظاهرة المحلة .. كيف لا أذكر .. نجوب شوارع المدينة ونهتف ضد الحكومة وضد القهر وضد العدو وضد كل جبال الغيوم ..
ربما .. وربما .. وربما ..
الربمات هذه هى التفتقات الأولي عن بذرة أن أكون كاتبا .

**

ليس كل ما يحصل عليه المرء من صنع يديه أو تخطيطه ، فلم أحلم يوما بلقاء شاعرين يصبحان فيما بعد زملاء دراسة .. في أوائل السبعينات توفى والدى .. وأمام نصيحة جارنا لأمى لمساعدتها ، أدخلتنى مدرسة الصنايع ، غصبا عنى .. وهكذا جمعتنى – الصدفة وحدها – بالشاعرين أحمد عيد وسمير مصطفي أحدهما يكتب شعر الفصحى والأخر يكتب شعرا عاميا .. كنت المستمتع و المستمع الوحيد لهما .. وأيقنت في داخلي بذرة الإختلاف ، فروضت نفسي علي الإستماع لهما وتقديم المشورة إليهما فيما يكتبانه إستحسانا كان أو إختلافا .. والغريب أنهما لم يسألانى يوما .. لماذا لا أكتب ؟
وحين فاجأتهما بقصة من تأليفي لم يدهشا .. أو يغضبا منى .. وكأنهما في قرارة نفسيهما يدركان من الوهلة الأولي أن مستمعا مثلي ومستشارا لهما لا يمكن إلا أن يكون شاعرا .. فالمرء علي دين خليله .. فقط خاب ظنهما لكونى أكتب القص .

**

منتصف السبعينات حصلت علي دبلوم الصنايع والتحق شاعر الفصحي ” بالقوات المسلحة” واستوطن شاعر العامية أرض سيناء .. ودخلت الجيش ، وشاءت الظروف ، مساعدة لي ، أن أكون راصدا داخل غرفة عمليات .. الظروف المحيطة مواتية لأكتب كل يوم حكاية علي زجاج الخريطة ثم أمحوها ثم أصبح الزجاج ورقا .. والورقات أخبئها .. كأنى أخاف من يرانى ، أن يري سوأتى .. أو يتعرف بشكل أو بأخر عليّ ..
كان ما أكتبه .. أنا .. ببساطة ..
ثم شاع أمري فأصبحت أكتب الخطابات للمحبين مقابل إستمتاعي بحكاويهم ومشاركتهم أحلامهم .

 

**

للفرحة أجنحة ، طارت بي ولم تحط ، حين أتانى من قريتى شاعر ، عرفنى بأسمه :
– محمد عبد الستار الدش .. بلدياتك
وترك لي بعض قصائده ..
لست وحدك إذن .. أرض الدلتا خصيبة .. أنجبت الكثير من المبدعين والساسة .
فلم لا .. لك الآن توأم ؟!
في أوائل الثمانينات إلتقينا بالشاعر ” محمد نشأت الشريف ” ودعانا للمجئ إلي المحلة بعد أن سمعنا ، وكم كانت دهشته وفرحته بوجودنا .. وهناك إلتقينا بالأصدقاء :
( فراج مطاوع – محمد عبد الحافظ ناصف – جمال عساكر – فريد معوض – لطفي مطاوع – جابر سركيس – المطارقي – عبد الجواد الحمزاوي ) ..
وتعرفنا بمن سبقونا :
( مختار عيسي – احمد عزت- محمد العزونى ـ محمد أمين – محمد أبو قمر – سامى عبد الوهاب – مجدى الحمزاوى- المرسي البدوي- سعيد عبد الرازق ) ..
وأسعدتنا لقاءاتنا مع الأساتذة :
( جار النبي الحلو – فريد أبو سعده – سعيد الكفراوي – المنسي قنديل – – وغيرهم كثير )
وسعدنا بمن لحقونا ( د/ محمد طلبه – د/ محمد داود – مرفت العزونى – مجدي الفقي – نجوى سالم – وسام جارالنبي الحلو )
نهر من الإبداع – في المحلة – يتدفق .. ويغري بالسباحة فيه ..وبدأ المشوار .

**

للتحقق واثبات الذات وجوه كثيرة ، منها النشر والانتشار .. وكتيبتنا تملأ العين وتبهرها بتنوعها .. وهاهم الأصدقاء كلفونى برئاسة نادى الأدب ووضعوا فى يدى عجلة القيادة .. لم تستوعبنا مجلة الرافعى .. والماستر لها بريق .. التففنا نحن الأصدقاء وأصدرنا مجلة ” دلتا الأدبية ” فى منتصف الثمانينات ثم سرعان ما صهرتنا التجربة فشكلنا ” جماعة رؤى الإبداعية ” وأصدرنا أكثر من عشرين عنوانا ما بين ديوان شعر ومجموعة قصص وكتاب نقدى وكتاب أطفال .. ودارت العجلة .

**

هل نسيت مجول ..ومجول نسيتنى فى خضم الحركة والاحتكاك؟
– أبدا..
كانت أولى كتاباتى عن أهلى وناسى ضممتها فى كتاب ” الحبيبة مفروطة الخرزات ” وتقدمت بها الى اشراقات فى أواخر الثمانينات وسألنى الكاتب / محمود العزب مدير تحريرها آنذاك
من المحلة ..-
– قلت .. آه ..
– تعرف ..جار النبى ..
– قلت .. أستاذى ..
( ولم أكن قد رأيته من قبل ) وأضفت متباهيا
– كما أن جابر عصفور والكفراوى .. بلدياتى ..
ابتسم لحظتها بتحفظ وقال .. انت منهم .. !
ثم أردف ..الحبيبة تقصد مصر ..
سكت وأدركت ساعتها أننى كذبت .. وكذبتى ألصقتنى بتيار لم يجرفنى ، ولست سابحا فيه.. أنا بن مجول .. فقط مجول .. التى بينها وبين المحلة سبعة كيلومترات والتى انفرطت خرزاتها من لسانى .

 

**

الاحتكاك يولد الشرارة .. والشرارة إما تضئ أو تحرق .. وفي التجمعات الأدبية ( نوادي الأدب – مقاهي الأدب – اللقاءات الأدبية – المؤتمرات ) صقلت مواهبنا وبان لنا الطريق .. ووضعنا علي أوله أرجلنا .. رغم المعارك غير المجدية والتي استهلكت بعضا من عمرنا .. إلا أننا إستلمنا الراية وواصلنا المسير .. وأضحت المحلة بمبدعيها علامة علي خصوبة تربتها وتدفق موجات نهرها .. أوائل التسعينات أصدرت علي نفقتى ” علي باب ناعسة ” ووسمتها بديوان قصص.. ثم تلاها
” الإرث” ديوان قصص.. لإيمانى أن اللغة ليست آداة توصيل بقدر ماهي كائن حي لها كل مقومات الحياة .. وإيمانى بأن الأدب في المقام الأول تعبير عن الجمال حتى وإن كتبنا عن القبح .. الجمال روح الأدبية التى تسمه ، وسر إشعاعه ..
ثم أصدرت ” العجز والرؤية ” كتاب نقدى..
ثم ” مفهوم القص وإشكاليات البناء ” كتاب نقدى
وفي جميعها أحاول أن أكتشف نفسي التى لا أعرفها ولا يراها غيري ، وأكتشف أهلي الذين تتغير ملامحهم ، وأن أرى ما لا يراه الآخرون فيّ وفيهم ..

**

إنطلاقي – إذن ودائما – ما يكون أنا .. ليس لأن الذات محور العالم ولا لكونى أحببت ذاتى .. وإنما كنت أمام أحد أمرين :
إما أن أتصالح مع نفسي أو أفقدها ..
وهكذا أخترت الأولي .. التصالح مع النفس .. وهذه لا تتأتى بسهولة ..
كان عليّ أن أكتشفها ، وأسبر غورها ثم أروضها حتى تعطينى إياها .. فتصفي وتهدأ ، وتلقي بعيدا عنى أسمال نفيها ، وتجاهلها ، في عالم يصيب من يعيش فيه بالخبال والعدمية..
ومن ثم تتكرر في قصصي الذات المنقسمة بين ذوات تشبهها وذوات لا يعرفون للوعي معنى .. فيهدمون الدار علي من فيها أو يوكلون حياتهم للظروف أينما حلت .

**

أظن – وليس كل الظن إثما – أن الكتابة عندى هي سؤالي عن الحقيقة ،وبحثي عن التواصل وسعيي نحو إيمانى بوجودى ..
الكتابة عندي نجاتى ..
الكتابة عندى إمرأة متى لاطفتها وتوددت إليها منحتنى أريجها ، ومتى نفرت منها وإبتعدت عنها لوت لي بوزها وأعطتنى مؤخرتها ..
الكتابة عندي تعدل حجة .. والحج له إحرام .. وإحرامه أن تكون كما ولدتك أمك ..
الكتابة في مقدراتى توق إلي الخلق وإلي معرفة الخالق ..
الكتابة ببساطة تطهر وولادة جديدة ..
ألم أقل منذ البداية ..
من منا يريد أن يتعرى .. ؟!
من منا يريد أن يكون كما ولدته أمه..؟!