مهمل ومشهد .. قصة

img

لنفرض مثلا أنك لم تذهب لميدان التحرير ـ مثل ملايين البشر ـ وأنك شاهدت ما جرى عبر شاشات التلفزيون وأن غصة وقفت فى حلقك لثوان لم تستطع بلعها .

لنفرض مثلا أنك مددت بوزك ، وكززت على أسنانك ، وسمحت لنفسك أن تجرى فى مجرى عيونك مشاهد 6 ابريل والبزات العسكرية تتراص جنبا لجنب فى خطوات ـ غير محسوبة ـ متأهبة لقتال عدو على بعد أمتار منها وأن زئيرها المدوى يفح دخانا كثيفا يكاد يغطى على المشهد ، فتقف مبهوتا ـ هنيهه ـ ثم تعاود نظرك فترى بعض الوجوه الممصوصة والأجساد المنهوكة تتنطط غير آبهة ـ على مدى السنين ـ كديوك البرابر قبل ذبحها .

لنفرض مثلا أنك كنت واحدا ممن رفع صوته يومها بأعلى عزمه وقال :

كفايه .. حرام .

وأمام زحف البزات العسكرية والضرب فى المليان بالعصى والركلات ودهس الاقدام علا صوتك : التغيير .. التغيير .

فتلقفتك العربات البوكس وقذفتك فى جحر الفئران لشهرين لم تر شمسا ولا قمرا ولاأنسا وكل ما سمعته عواء وفحيح جان تستبعد أنها تعاشرك معاشرة الرجال للنساء ولا تتحمل مجرد التفكير فى هذا الاحتمال .

لنفرض مثلا أنك طيلة الاعوام التى ناهزت الثلاثة لم تخرج من بيتك الا مطأطأ أومحدودبا أو مسنودا بين ذراعين وكتفين وعينين ـ دائما ـ ما تسحان وان رفعت أنت عينيك تدخل فيهما البيوت والشوارع والناس كخوازيق محمية لاترحم ولا تجعل رحمة السماوات تساقط عليك .

لنفرض مثلا أنك أمام كل هذه الافتراضات لم يحدث لك شى ، وأنك الآن مولود جديد وذهبت الى ميدان التحرير ، ولم تقف غصة فى حلقك ، ولم تمد بوزك ، ولم تهب العسكر ، ودوى صوتك بعزم ما فيك : ارحل

وأمام طوفان الثورة وتحققها عدت لمجول منتشيا ورأيت الناس هم الناس نفس الوجوه الممصوصة والأجساد المنهوكة تتنطط ، غير آبهة كالبرابر الحامية وهم يهتفون : الشعب يريد .. الشعب يريد .

وفى غمرة الحشرجات والغمغمات تدرك عندئذ ـ وأنت تتفرس فى تفاصيل المشهد ـ أنك لم تكن ذات يوم ـ بينهم ـ بربرة.

مواضيع متعلقة