مخلوقات الطين – العربى عبدالوهاب

img

…… وكنت أود لو أنداح فى سماء البدايات محاولا فك طلاسم قوتى وانهيارى أمام إمرأة عرفت كيف تستلبنى من عشى وتلقينى فى دروب الوهم مفتونا بأحمالى .
.. إمرأة تحلم فى سريرها الممتد بعرض الأرض تلتقط حبات اللؤلؤ من حلم أيامى وتحتضن بنتا حين نادتها ـ لأول مرة ـ فى أحلامها الأولى باسم ” ندا ” خرجت الحروف منغومة متلألئة فأعطيت البنت وجودها المتخيل .. أنشأتها خلقا أول .. سويتها بخيالى .. من عينيها ينساب رحيق الأزهار .. أزلت عنها ما ادعته المرأة من اسم أطلقتها فى سماء البدايات ، هائمة .. وارتددت لآونة بعيدة أرنبا بريا ، مندهشا بالخلاء ، يدنى أذنيه الطويلتين ويشع حنانا ..
( تداعت الأيام الماضية حاملة شظايا حكايات ينز منها ندى مالح يترسب فى القلب ، مناديل وزعها الهواء ، عيون جامدة لحظة الفراق ) أستطيع أن أجزم أنها آثار معركة عاطفية انتهت بهزيمة الطرفين .
طرف غائم فى سماء الموجودات بين موجات ارتحالى للوراء واندفاعى للعماء ، يصحو حينا فتجتذبه عتامة آفلة ناشرة ظلال الهزيمة على قلبى ، الطرف المتمم للدائرة ـ التى لن تسمى من الآن ـ التى انطلقت فى فضاء الحكايات الأخرى دخلها عابرا وخرج عابرا ما ألقى السلام ولا رد التحية .
أوقات مرت وما استقام لى وجهى تجاه وجود يتحاشانى أخاف من جفافى وأحادية رؤاى ؛ كان وجهى على الماء بدون معنى ، فقلت وجهى فى الماء ، اكتملت دائرة الوجد أرسل الغاب غناءه الشجى لأشجار السيسبان فمدت شعورها واستحمت . هنا قلت لنفسى ” قف ” .. ماعت ملامحى وقد صرت شيئا نكرا ، فلا أتمت الأرض دورتها ولا رويت . باق على ظمئى .
صوت غناء بعيد
كان دائما يتوجس حزنا غامرا يلقيه بصحراء الفقد .. لذا فقد تطلع للأشياء من حوله باستمتاع بالغ . كون من ترابها طينا صلصالا . يصنع مخلوقاته التى يحب ، يناديها فى وهج سعادته فتأتيه سعيا .
قال : ” مالى لا يحبنى غيرى ، ولا أحب علم الأغيار ، الناظرات لمكنون الأفئدة .
أنا هائم مع مخلوقاتى ، فوق شجرى وبداياتى ، نائم بعشى ولن يمسسنى سوء ما دامت يقظتى معى ومخلوقاتى حوالى .
ما قالته الأسلاف
هل تدفن فى الماء رأسك ، تنفلت من دبرك التصريحات ،، طوال أيامك لم لغة الأغيار ، فتوحدت بعصافيرك ، ركبت حمارك حتى قادك إليهم ، فصلبوك فى أعينهم .
سووك على نيراهم كالشاه .
أنت موبوء بنفسك .
تكفيك متاهاتك ومياهك . ونظرة واحدة .
لم تكن ظامئا للماء وشربت ، لم تكن بحاجة للوجد وعشقت حتى وصلت فتوصلت للنهايات ـ الفناء ـ من حولك . تنام الآن مياهك الراكدة فى حضن الثعابين . وتسكن حلفاءك أسماك ميتة .
امرأة تدخل الدوائر المغلقة ,تضرب أرقام فقدت حرارتها ، وترفع لناظريك بنتا كما قمر الزمان فلا تهفو .
سمها كما تريد ،واختر لها شكلا وبرمجها بمعلوماتك ولا تلقها لغياهب صورك القديمة .
مفردا يعود
هكذا أنا .
حاولت وما استطعت ، حاربت وما انتصرت ،تقهقرت و ما رجعت ، تزواجت مع قمر الزمان بعدما انتزعتها انتزاعا ، حلم يتأرجح فى ظلماتى .. منفردا أنتصر ، حوالى مخلوقاتى ، ربما تكون مسحة من حزن حطت ، ضاقت أعينهم وانتهت الحلفاء والغابات ومصبات الماء وسباحة الأوز .
انسحبت الأرض من تحتهم ، حتى ألفيتهم على سطح أملس من خرسانات تلك الأيام ، أسفلهم خوازيق ، وأعلاهم سقوفا ارتعت .. هى مخلوقاتى .
وأنا أرقبهم من بعيد.
ـــــــــــــــ
الزقازيق / 1995

مواضيع متعلقة