حاتيبات الجميلة .. قصة بقلم: أحمد فضل شبلول

img

أنا حاتيبات جميلة الجميلات التي اختارها الإله ذوالشرى ليضاجعها، لم يكن في مقدوري أن أرفض طلب كبير آلهتنا، فهذا شرف لأي أنثى بشرية، ولم أدر لماذا لم يختر الإله الملكة خلدو الزوجة الأولى للملك الحارث الرابع أقوى حكام دولتنا، أو زوجته الثانية شُقيلة الجميلة التي اشتركت في الحكم مع زوجها الملك.

كما أن الآله ذوالشرى لم يطلب مضاجعة الملكة جميلة أو الملكة هجرو وهما من زوجات الملك رابيل الثاني.

ومن يدري فربما ضاجعهم جميعا، وربما له نسل منهن أيضا، ولكن في طي السر والكتمان، ولكنه أكد لي أنني أول أنثى بشرية يضاجعها وكان شاهدا على ذلك أجمل أحجارنا المقدسة (اللات) الذي رأيته يتلصص علينا، فأغمضت الطرف عنه، وتركته يرى مفاتني ويشم رائحة جسدي ويتأمل تفاصيل ذلك الجسد الغني بكل ما يشتهيه الآلهة والبشر والأحجار، ولكن همست في الوقت نفسه للإله ذوالشرى وهو فوقي أن اللات يحدق فينا، فهمس لي أن أتركه وشأنه وسوف يحاسبه فيما بعد، وأنه لا يريد أن يعكر صفو هذه اللحظة التي لا يريد لها أن تنتهي أبدا.

انتهت اللحظة المقدسة، ومنحني ذوالشرى خلودا في الحياة، كما منحني ابنا بشريا ذكيا، مع أنه كان يريده ابنا إلهيا، ولكن خلاياي الأنثوية تغلبت على خلاياه المقدسة، فجاء الابن بشريا به مسحة ربانية، وسوف يظهر في عصور متعددة لدى أسر عادية جدا لا تعرف شيئا عن حكايته وبذرته الأولى.

بعد أيام معدودات من لقائي بالإله ذوالشرى اختفى اللات، ففهمت أنه حلت عليه لعنة كبير الآلهة، وأنه طرد من جنة مدينتنا البتراء.

وسمعت من بعض الأقوام القادمين من مكة أن اللات ظهر هناك، ولكنه تحول إلى أنثى، وقالوا فيما قالوه إنه إحدى الإلهات التي تعبدها قبيلة قريش، وكانت هي والإلهتين مناة والعزى يشكلن ثالوثا أنثويا عبده العرب ممن سكن مكة وما جاورها من المدن والقرى. وكانوا يعتقدون أن الثلاثة بنات الله، وقسم من العرب اعتقد أن اللات ومناة بنتا العُزى.

ولكنهم يجهلون جميعا أن اللات كان جميلا ومقدسا بيننا، ولكن طرده كبير إلهتنا ذوالشرى.

وقال بعض العرب إن اللات هو وثن كانت تعبده قبيلة ثقيف، وورد أنها صخرة كان يجلس عليها رجل يبيع السمن واللبن للحُجّاج في الزمن الأول، وقيل إن اللاّتّ كان يَلتّ له السويقَ للحجّ على صخرة معروفة تسمى صخرة اللاتّ، وكان اللاتّ رجلا من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحيّ: لم يمت ولكن دخل في الصخرة.

ويعتقد البعض أنها إلهة أنثى (كما يتضح من اسمها) وأنها كانت ربة السماء، التي عبدت من طرف الشعوب السورية نتيجة ترحل العرب الأنباط الذي أخذوا معهم أربابهم إلى المواطن التي حلوا فيها.

ولكن أصح ما روي عن اللات هو ما رواه البخاري في صحيحه: عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله: {اللات والعزى} كان اللات رجلا يلت سويق الحاج، يعني يعجن العجين للحجاج. وبدا لهم أن “اللات” كان رجلا محسنًا يعجن العجين للحجاج ويطعمهم إكرامًا لهم، فلما مات عظموه وعكفوا على قبره ثم جعلوه إلهًا.

كل هذا كان مجرد تخمينات وتصورات للعزيز “اللات”، لم أشأ أن أصححها تاريخيا، فليذهب كل منهم مذهبه حسب ثقافته وأحلام يقظته ورؤاه.

بعد عودتي إلى كهفي الحجري في تلك الليلة المقدسة مع ذوالشرى، سألني زوجي: أين كنتِ؟ فأخبرته بالحقيقة، فلم يعترض على مشيئة الإله، ولكنني من يومها لم أره. خرج ولم يعد.

رآه بعض الجيران هائما على وجهه في صحراء البتراء متجها ناحية نهر الأردن، الذي يصب مياهه في البحر الميت.

سألت عنه بعض القوم العائدين من ناحية النهر، فأخبروني أنهم رأوه يسبح في اتجاه البحر الميت ثم اختفى هناك.

بعد عدة أيام من اختفائه رأيته في منامي يقول لي: لا تحزني فأنا سأظهر مع ظهور المسيخ الدجال لأقاتله مع بقية المقاتلين على نهر الأردن. فتأكدت مما رواه بعض الجيران.

منحنى ذوالشرى خلودا في الحياة، وأتيتَ أنتَ لتعوضني عن الكثير مما ينغص صفو الحياة، وعرفت أنك لا بد تاركي في يوم من الأيام، لتحل في جسد أنثى أخرى في بعض العصور، وأبلغني أبوك الإله إنك ستبعث في كل عصر وأنت في السادسة عشرة من عمرك لتكون أقوى فتى في السادسة عشرة في العالم، أقوى من الفتى كافكا الياباني الذي هرب من منزله في عيد ميلاده السادس عشر، ولكنك لست محتاجا للهروب مثله.

أما اللات الذي عثرت عليه في خرابة العباسية في الإسكندرية منذ أيام، فقد تقلبت به الدنيا، بعد اختفائه وتقديسه في مكة، وعندما جاء النبي محمد خاتم الرسل والأنبياء أدرك اللات أنه لم يصبح له وجود في مكة، فقد عرف الناس الإسلام، ولن يسجد له أحد بعد الآن، فقرر العودة من حيث جاء، ولكنه أخطأ الطريق وظل يتعثر في الصحراء العربية وأصيب بضربة شمس حارقة، فلجأ إلى ظل شجرة زيتون وتمدد تحتها سنوات، ولم يفق إلا بعد أن عثر عليه جندي من جنود عمرو بن العاص وهم في طريقهم إلى مصر، فأخذوه معهم عسى أن ينفعهم في الطبخ عليه، دون أن يعرفوا أنه اللات، وظل اللات صامتا، حتى دخل الجنود الإسكندرية، ونشبت بعض المعارك التي انشغل بها الجنود الذين كانوا يرفعون المصحف على أسنة الرماح، فانسحب اللات من المعركة، ولجأ إلى مكان سري ظل فيه قرونا إلى أن شممت رائحته في خرابة العباسية أثناء عودتي من زيارة المسرح اليوناني الروماني بكوم الدكة، فأخرجته وعدت به على عربة خشبية، ووضعته في حمام منزلي الكائن في شارع الإسكندراني، كي أنظفه مما علق به من أتربة ورائحة معارك، وآثار ضربة الشمس التي هاجمته في الصحراء العربية.

مواضيع متعلقة