في مياه المتوسط (فصل من رواية “رئيس التحرير”) بقلم: أحمد فضل شبلول

img

في مياه المتوسط

(فصل من رواية “رئيس التحرير”)

بقلم: أحمد فضل شبلول

كتبتْ لي بعد أن فتحتْ الإيميل وقرأتِ المقال: نريد المزيد من المقالات عن الشارع المصري، الناس خارج مصر، لا يهمهم معرفة الرأي الرسمي في الأحداث، أو الرأي المضاد الذي يعكس وجهة نظر مجموعة معينة أو فصيل معين، نريد يا يوسف معرفة التأثير الحقيقي للثورة على رجل الشارع العادي، جميل أن ركبت المواصلات العادية، تحاورت مع الناس الغلابة، أو الذين كما تقولون في مصر (ليس لهم في الطور ولا في الطحين) هم الأغلبية، أو كما وصفهم البعض (حزب الكنبة).

هذه هي صحافة المواطن يا يوسف أن تنقل وجهة نظر الأغلبية الصامتة، وتعبر عنها، فيصبحوا غير صامتين، بل مشاركين وفاعلين عن طريق صحافتهم وإعلامهم، وليس صحافة وإعلام النخبة.

أنا حوّلت الموضوع للنشر في الجريدة اللندنية، أتوقع أن يترجم أيضا وينشر في الصفحات التي تصدر بالإنجليزية في الجريدة.

عدتُ إلى جناحها في الفندق، وأنا في غاية السعادة لرأيها الذي جعلني أكثر حماسا لكتابة المزيد من المقالات والمشاهدات، أن أكون في الشارع طوال النهار والليل، معي جهاز الموبايل متعدد الاستخدامات الذي أهدتني إياه منى فارس في أبوظبي، ما بين تسجيل صوتي، وتصوير فوتوغرافي، ولقطات فيديو، ومكالمات محلية ودولية، وتخزين صور وفيديوهات، وإرسال واستقبال على وسائل التواصل الاجتماعي، قراءة التعليقات والرد عليها، الاطلاع على أحدث الأخبار والأحداث، وغير ذلك من استخدامات.

قلتُ لها: ما رأيك أن ننزل الشارع معا؟

ـ قد يكون شكلي غير مناسب للشارع، فلا يتفاعل معي الناس كما يتفاعلون معك لأنك أقرب لهم، أنت واحد منهم، تعرف أكثر مني تفكيرهم والمناطق التي من الممكن أن تجذبهم إليها ليتحدثوا عنها، دون أن يشكّوا فيك، أو يبتعدوا عنك.

ـ أنتِ في استطلاعاتك في الدول المختلفة، تنزلين إلى الشارع، تقابلين الناس، تتحدثين عنهم، تكشفين عن سماتهم وأحوالهم وأوضاعهم، فتأتي استطلاعاتك في غاية الصدق والروعة.

ـ الأمر مختلف هنا يا يوسف. أنتم في حالة ثورة، قد يخشي بعض الناس الحديث إليَّ ظنا منهم أنني صحفية أو مذيعة تلفزيون تريد صيدهم في حوار قد لا يكونون جاهزين له، أو يظن البعض أنني من فريق معين أو قناة معينة تريد أن تورطهم، أما في الاستطلاعات فالأمر مختلف، حيث الناس هم الذين يأتون إلينا طوعا لأنهم يعرفون مدى صدقنا في نقل واقعهم وأحوالهم وأوضاعهم، ونشرها في المجلة.

وليس بعيدا عني ما حدث لبعض الإعلاميين والصحفيين في ميدان التحرير لطاقم قناة خليجية كبرى، حيث تم احتجاز بعضهم لمجرد الشك أنهم من فريق مضاد.

ـ إذن ننزل البحر معا، بدلا من الشارع، البحر رائع اليوم، والمياه تتهادي في وداعة، والأمواج تنادينا تريد أن تحضننا معا.

ـ فكرة ممتازة، أنا لم أسبح في الأبيض المتوسط من قبل.

ـ إذن هيا.

تحضننا المياه ساعة الغروب، شمس حمراء حانية تودع يومها، كأنها تبكي على فراق الناس والبحر والشواطئ، شمس تبدأ في الرحيل إلى مستقرها الأخير، ونحن كسمكتين في الماء تتعانقان، تنزلقان إلى الأسفل، ثم تشبّان، تصعدان تغوصان، تلتويان ترقصان، أحضنها تحت الماء، أقبلها، لا أدري أهذا رضابها أم زبد البحر.

ـ أنتِ في مياه البحر أجمل منك على السرير، أنت أجمل من حوريات البحر.

ـ وأنتَ سندباد البحر الذي أبحث عنه طول عمري، وجدته في الخليج، فأبحرت معه أشاهد غزواته ومعاركه وانتصاراته إلى أن أتينا إلى الأبيض المتوسط.

ـ المشهد الوحيد الذي أراه الآن أمامي هو أنتِ والبحر والسماء المرصعة بالنجوم وقانون الحب في قلوبنا.

خلفنا حدائق المنتزة بأشجارها وشوارعها التي كانت هادئة وأناسها وعشاقها، بين كل شجرتين تجد عاشقين يلتحفان الفضاء. أنا والجوهرة ننام على بُسُطِ الماء، كصوفيين ينقطعان إلى عبادة رب السماء.

أخذتنا النشوة في الماء، تلصصنا في هذا المساء، على حرّاس السماء، سمعنا الشهب وهي تناجي النجوم في هذا الاتساع الكوني العظيم، رأينا الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم. نحن نسبِّح أيضا فوق سرير الماء، ينزل علينا من السماء ماء إلهي رحيم، نغتسل به، نعود إلى جنة آدم قبل أن يُطرد منها.

تبكي الجوهرة وتقول: هذه أروع لحظة في حياتي، لا أدري كيف أخذتني إليها يا يوسف، أنت ساحر ولست مجرد شاعر.

أحكم الليل قبضته على الكون أمامنا، سمعنا صفارات إنذار من الغطّاسين الذين يعملون بفندق فلسطين، يبدو أننا تجاوزنا حدود المياه المسموحة للسباحة أمام الفندق، أو أن الوقت داهمنا، فكان لا بد من تنبيهنا بهذه الصفارات التي تأمرنا بالخروج من المياه، من هذا السحر الرباني، من جنة بحر المنتزة.

تبًّا لهؤلاء البشر الذين أفسدوا علينا نعمة القرب من العرش الإلهي العظيم، ألم يروا ماء الله الذي أرسله لنا رب العالمين، كاختيار لنا دون بقية الخلق أجمعين، في هذا الليل المائي المنير؟

بدأنا رحلة الخروج من عالم الماء الوسيع، مثل آدم وحواء لحظة خروجهما من الجنة، بعد أن أكلا من الشجرة. نحن لم نأكل من تلك الشجرة المحرمة، كنت أنا والجوهرة بين يدي الله نسبح حول العرش المائي العظيم، تأنس لي، وآنس لها، تلبسني وألبسها، وأدركت ساعتها معنى “الجوهرة”، وأدركت هي معنى “يوسف”.

عدنا في اتجاه الفندق نقطر لذة صوفية عميقة، تحفنا الملائكة، تغشانا السكينة، ترقص حولنا حوريات البحر، إلى أن خرجنا على رمال الشط، وعدنا إلى بشريتنا مرة أخرى.

نظرت إلى مبنى الفندق كأنني أراه لأول مرة. هذا الفندق الذي أسَّسه الرئيس جمال عبدالناصر وافتتحه عام 1964 ليحتضن مؤتمر القمة العربية لمناقشة وحل القضية الفلسطينية، اجتمع فيه القادة والزعماء العرب، لم تحل القضية حتى اليوم، وها أنا والجوهرة نجتمع فيه أيضا نحل قضايانا ومشاكلنا ورغباتنا الروحية والجسدية، ونتابع مجريات الثورة المصرية.

مواضيع متعلقة