استماع أخير للجرامافون

img

تنتبه فقط حين تئن اسطوانة الجرامافون ، ويسعل البوق الكهل معلناً انتهاء الطرب؛ تنهض من جلوسك الاضطراري على كرسيك الوثير آبقاً من الملل، تسير متحسساً الفراغ الصغير بينك وبين اسطواناتك المرقّمة.. يلوذ جسدك بالرف وتتشبث أطراف أصابعك بالاسطوانة الخامسة.. تلتف وتعُدَّ بقدمك خطوات ثلاث يسندك بعدها (الكوميه).. تتخبط يدك قليلاً قبل أن تجد المكان الصحيح للسطح الدائر حيث تضع اسطوانتك الجديدة.. التي ستلكزها الإبرة الصغيرة حتى تعود لكرسيك من جديد.
تتموضع داخل بؤرته كالعادة مستقبلاً النغمات.. يخذلك الهِرم حين يقطع الطريق على الشدو المحلق بغفواته القصار؛ فتنداح في احداها لبرهة يدخل خلالها (سعد) خادمك الوحيد ليرفع قدح الزنجبيل البارد ويضع غيره.. يصطك الفنجان بطبقه عندما تهتز يده العجوز فتستفيق من غفوتك لتلعنه وأسلافه.. يلتف الخادم دون أن يلتفت ويخرج مجاهداً خطواته البطيئة.
تحملق في وجه الفراغ بعد الاستفاقة ويتصل الشدو بمسامعك كأنه لم ينقطع..
” تفيد بايييه يا ندم يا ندم يا ندم، وتعمل ايه اييه يا عتااب ؟!”
كنت تمرر يدك على تغضنات وجهك منشغلاً بإحصائها عندما جاءتك الذكرى تسعى من جرامافون العائلة القديم.. عيناك الشاخصتان لها لا تلويان على إغماضة جديدة، تغشاهما يقظة مغايرة تفصلك عن واقعك الذي لطالما زينته الأكاذيب.. بندول الساعة النحاسي الذي ورثته عن أجدادك مع الصلف يجيد المراوحة بين الأزمان.. يتبدل المشهد خارج الشرفة تدريجياً من صيف جاف إلى شتاء مطير.. عقارب الساعة تبدأ الالتفاف عائدة بالزمن القهقري.. يتعاقب الليل مع النهار.. تتناوب الفصول بتواتر وسرعة خارج الشرفة.. النباتات تموت وتحيا.. تقصر وتطول.. تتابعها ممسكاً أنفاسك، ولا تعلم على أي حال سيثبت هذا الوضع الجنوني.
الغرفة تدور وأنت متمركز في بؤرتها، يتغير لون الحوائط عدة مرات حولك.. ترتفع اطارات صور العائلة عليها وتُخْفَض.. تتبدل الوجوه بداخلها.. تشيخ وتهرم.. الستائر تنسدل وتُزم.. أضواء الغرفة تضاء وتنطفيء كأن طفلاً يلهو بمفاتيحها.. الأثاث يخايلك بالتنقل من مكان لآخر.. العبثية تتسيد.. المكتب ورف الاسطوانات .. الكرسي و”كوميه” الجرامافون يتبادلون المواقع تماماً كلعبة “الثلاث ورقات”.. الغرفة استحالت لمائدة مستديرة وأنت كرة (الروليت) التي لا يعلم أحد في أى خانة ستستقر.
مخيلتك الآن تلهث.. لا تستطيع التزامن مع السرعة لتتابع كل اللقطات.. تتباطأ عقارب الساعة تدريجياً تحفزاً للدقِّ الرتيب.. ويبدأ وقع التبدل في الخفوت.. العقرب الكبير يتحرك الهوينا.. ويثبت كل شىء على تخوم الماضي.
تكاد لا تصدق نفسك حين ترى الضوء ثابتاً دون ارتعاش.. تدور برأسك في المكان الذي عادت حوائطه الباهتة للونها الزبرجدي، الأرضية (الباركيه) تزينت من جديد بسجادتك الفارسية.. تتساءل: متى اطيرت الأتربة من فوق أسطح الكريستالات؟!، وكيف تلألأ الضوء على رأسك منعكساً كهالة تحيط بشعرك الأسود الممسد (بالفازلين)؟!
عدت تبدو من جديد براقاً كجوادك (الأدهم) الذي يعدو بك تحت الشمس كل صباح، فيبدو مهيباً لامعاً لمعة تخطف الأبصار وتكسر النظرات.. فلا يستطيع أحد التحديق بوجهك أبداً وأنت تنهب أرض أبعاديتك نهباً.
تقف على عتبات العشرينات من جديد حين ينزل الزمن من فوق ملامحك التى توسدها طويلاً.. تندفع في جسدك فورة من فورات الأدرينالين تهوي على أثرها بقبضتك على سطح المكتب الخشبي فيرتعد.. يدقُّ صوتك رأس الرجل (الأكتع) الذي يقف أمامك الآن في جلبابه الرمادي الباهت كمسمار رفيع.. يناهض استبدالك له بشق الأنفس.. يهادنك بالتصبر كي تستعمله في وظيفة أخرى يطعم بها أفراخه الزغيبة، ويسدل الستر على أمهم في العش الصغير.
يرخي إليك يده المتبقية بانبساطة غير معتادة؛ فلطالما راق لها القبض الطويل على ماكينة الخراطة التى أصابها السعار؛ فعقرت اليد الأخرى حين تشنجت بغير وعي بعد نوبتين متصلتين من أجل الرضيع المحموم، والشباك الذى انفرجت أضلعه، والصحن الذي إذا ما امتلأ جوفته الأصابع المتزاحمة عليه من جديد.
يخرج صوتك ليشنق الوهن الذي تحتقره..
– إزاي أوظف مستخدم مهمل زيك بيسرح وقت الدوام؟!
يصمت (الأكتع) وتدور اسطوانة الجرامافون على أغنية كان يسمعها (أنوار) في غيابك..
” ملكش حق.. ملكش حق تلووم علاا ا ايا ”
توارب رأسك وتقلب شفتك السفلى باشمئزاز عندما يرفع (الواهن) طرف كمِّه المهتز ليعترض طريق دمعته.. يخايلك الجسد الناحل برجفاته، تريد أن تنهي الموقف فتفتح الدرج وترمي ببعض النقود على المساحة الخاوية بينك وبينه لتقيده، تعود بظهرك للوراء وتشعل غليونك والفتنة في نفس المحدق، ثم لا تبذل جهداً في منع ابتسامة متكبرة حشرت رأسها بين فكيك وخرجت لتشاهد الجسد الذي يمزقه انهزامه .. فيقبض على أموالك بأصابعه الخمس.. تكاد تعلن انتصارك على تذمره لكن صوته اللاكز للهواء يأتيك متحشرجاً وهو يقول:
” انت كدة بتقطع عيشي بفلوسك يا بيه، فلوسك اللى ايدي المقطوعة لو بتتكلم كانت قالت لى خدها؛ انت محتاج لكل جنيه فيها”.
بحركة مباغتة يرمي أوراق النقود بوجهك.
(حسبي الله ونعم الوكيل)
يتمتم بها ثم يخرج رافعاً كفه الواحدة للسماء التى ترعد عليك وأنت تصرخ/
(سعد – بشير.. ارمو الكلب ده بره)
……………………………………
(شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك.. لابد عن يوم برضو ويعدلها سيدك)
(إن كان شيل الحمول على ضهرك بيكيدك.. أهون عليك يا حر من مدة ايدك)
تتجه للجرامافون وبعصبية تطفيء الاسطوانة المتجرأة مقسماً بكسر رأس الصابئين جميعاً.
……………………………………………….
لا تصدق أنك مازلت حياً.. وأن شيئاً كان يستطيع أن ينجيك ببدنك من تلك السقطة المروعة التى أسقطك بها (الأدهم) ذات صباح فأذلتك.
…………………………………………………
الألم يعضك فجأة تماماً كاليوم الذي سقطت فيه؛ ينبهك لاسطوانة الجرامافون التى تئن وللبوق الذي يسعل معلناً الانتهاء.. تعود لتغضنك.. تقوم فتكسرالإبرة الواخزة وتلطم البوق فيعوى.. تتجه لغرفة نومك.. بصعوبة تخلع ملابسك عن جسدك الضامر وتتسربل من جديد.. مختبئاً برأسك تحت الوسادة كنت تفكر من أي ركن ستخرج إليك يد (الأكتع) المقطوعة ؟!

مواضيع متعلقة