يراقص الطائرات – قصة قصيرة

img

مرر أصابعه على الحزم المحفورة بجوار سريره المرتكن على حائط الخندق .. كل حزمة أحد عشر عمودا قائماً محفوراً بالسأم، والثاني عشر مائلاً يقطعهم بالصبر المكره نصفين .. لم يكن هو الذي حفرها بل زميل آخر مكث هنا قبله طويلاً وخرج يوماً ما في “عملية استنزافية “ولم يعد .
ذكرته تلك الحفائر بالقلب الذي حفره لحبيبته آخر مرة على جذع شجرة الصفصاف .. كان مستديرا وليناً كجسدها الذي يتراءى له الآن مع السحابات الترابية التى تتجول برفق فى (ثُكنته) .. سهم الحب يخترق القلب المصلوب على الجذع مبتدئاً بأول حرف من اسمه ومنتهياً بحرف اسمها الجميل (زينب) .
يعيد النظر للحزم على الحائط .. ثمان سنين ثقال تكبل الثأر وتمهل الكرامة المتعرقة حتى يحين الوقت الملائم الذي لا يعرفه أحد .. الانتظار المتحرق يأكل بعضه بعضاً .. يكاد يخرج من أكمام ردائه العسكري ويصرخ مطالباً باللونين المتفلتين من علم بلاده – الثأر الأحمروالحب الأبيض .. لماذا كل ما يعيشه هو السواد الممتد !!
السحابة الترابية تقترب من سريره لتهدهد خاطره قليلاً .. يفك يديه المعقودتين أسفل رأسه ويمدهما نحوها .. يغمض عينيه ويناديها لتقترب أكثر:
زينب .. زينب
تتبخر السحابة بعد اقترابة طائعة شغوفة، وتختبىء خلف كتفه حين تسقط طلقة من مدافع (الهاون) على الضفة الأخرى .. تصطك أسنانه كي يكبح جماح رغبته في قذف جسده بماء القناة والسباحة حتى النصر أو الشهادة .. لكن أوامر “ضبط النفس ” تأسر انصياعه لتلك الرغبة.
يقوم ويدور في فراغ (ثُكنته) الصغير دوائر فهد أسير .. يسمع صوت زميله يتعالى : (دميان) .. (دميان)
يخرج على الصوت الباكي ليجد (محمود) ملطخاً بدماء زميله الذي حمل جثمانه من الضفة الأخرى حتى لا يتركه لضباع اليهود وعقبانها تنهش فيه .. يغمض عينيه ويقسم أن يقتل بدمه عشرة من “أبناء الخنازير”.
لا يعلم ما الذي دفعه نحو مدفعه .. خلع غطاء فوهته .. وظل ينظف في الماسورة مرات ومرات .. يلمع القذائف كمن يشحذ سكينه كي يصبح أكثر حدة .. لا يعرف كم من الوقت مر عليه وهو يفعل ذلك .. ولما انتبه جمع قبضته ونزل بها على حامل المدفع الذى تبلل بدموعه الساخنة التى نزلت منه على انفراد.
صباح جديد وروتين واحد .. الحذاء لامع برغم العفرة والزى نظيف والوقفة فى طابور العرض من حديد .. كل شىء كما تعودوا عليه الآن ولابد أن (قائد السرية) سيأمرهم بالذهاب إلى تمارين المحاكاة .. تُرى هل وصل الخطاب الذى أرسله أول أمس إلى (زينب) .
لون المغلف “الكاكي” يخطف نظرات الجميع من بعيد .. لذلك كانت (زينب) تذهب كل يوم إلى مكتب البريد لتسأل عن خطاب جديد باسمها من الجبهة .. يعرف الموظف وجهها الدقيق جيداً .. في كل يوم يشير لها من بعيد بعلامة نفي ثم يميل على أذن زميلته ويهمس بكلمات تتجه بعدها بعينين مبتسمتين نحو (زينب) .. أما اليوم فقد نادى عليها وهى مازالت على باب المكتب ملوحاً بالرسالة المنتظرة كمن يحمل لها جائزة ..
خطفها خجلها الوردى من يده الممتدة عبر الفتحة الدائرية فى الزجاج الفاصل بينهما ثم انطلقت بحذائها الأرضى البسيط تطوى الطريق .. يتقافز شعرها الذى رفعته لأعلى على شكل (ذيل حصان) حولها ببهجة .
فوق سطح المنزل جلست تنظر لاسمه على المغلف .. تشمه مرات ومرات ثم تحتضنه فتملأ عينيها موجة من الدموع بأحباره الزرقاء الممتدة فوق السطور بكلمات الحب .. والحرب .. حين يقول : (اطمئني يا حبيبتى أنا بخير) .. على صخور البعد ترتطم موجات دموعها .. تعيش كل يوم بخوف يمتطى الرجاء ويهزهز ساقيه .
(أحمد) وياليت كل الكون (أحمد) .. هكذا تبدأ خطابها له في كل مرة وهكذا كتبت حين راحت ترد عليه الآن .
وقفته لم تلن فلقد اعتاد جسده على تلك الوقفة العسكرية فصار يؤديها دون تفكير أو معاناة .. هو وزملائه الذين لم تكن معاناتهم جسدية حتى فى طابور العرض وهم صائمين تحت الشمس الرمضانية بأكتوبر .
القائد : أخيرا جاءت اللحظة التى كنا نتحرق شوقاً لها .. لحظة الأخذ بالثأر يا رجال .. سنعبر بإذن الله .
الحناجر ترد بصوت رجولي جهور : الله أكبر .. الله أكبر.
انطلق مع السرية إلى مدفعه .. كشف غطاءه وراح يقبله .. جلس على المقعد الأوسط يضبط اتجاه الفوهة نحو السماء ليسقط الخزي المحلق فوق الرؤوس .. العجلة التى طال ثبوتها تدور الآن بأقصى سرعتها لتعوض الوقت الذي فات .. يحرك المدفع بقوة إلى اليمين، وسريعاً إلى اليسار نحو تلك الطائرة المراوغة التى يطير بها الأغبياء فيسقطها.
ينظر بطرف عينه نحو زملائه المشاة وهم يتسلقون الساتر الترابي كل واحد منهم كنملة مقاتلة تحمل فوق ظهرها أكثر من حجمها بثلاث مرات .. السلاح والذخيرة ولاسلكي الاتصال وحامل المدفع اليدوى الذى اخترعه رجل بسيط بالجيش .. كان ينظر للعقول التى صنعت بمخترعاتها العبقرية للوطن جسراً أكثر فاعلية من ذلك الجسر الخائن الذي تمده (أميركا) إلى أعدائنا بكل وسائل الدعم.
حامل الصواريخ الأرضية يضربه على رأسه.. خراطيم المياة تخرج له لسانها .. الجسور العائمة التى تعبر عليها الدبابات الآن للضفة الأخرى تقوضه .. زملاء الكتيبة يقرضون الأرض بالبيادات الثقيلة .
الآن يبتسم آخيراً .. يرى النصر آتياً من بعيد .. تزغرد له أمه وأم (زينب) وجميع الأمهات اللواتى ربطن الأحزمة على الخصور ونزلن يقلبن الأرض ويتاجرن ويعملن بالمصانع ويربين الأبناء في غياب رجالات الوطن .. سيسترحن الآن حتماً وستكتحل أعينهن بالراحة من جديد.
سأعود إليكِ يا” أمي ” .. سأعود إليكِ يا “زينب”.
الطريق يقصر مع كل طائرة تسقط .. تلك (لدميان) وهذه من أجل عينيك يا (طاهر) .. الطلقة التالية فى القلب حتى يشفى غليل الجميع ويرتاح بال الوطن .. طياراتكم بلا أجنحة فلا أحلام لكم على أرض يقف عليها (مصري) ..
الله أكبر .. الله أكبر .
يلقم بها مدفعه ويُنزل بها الفارغ ..
زميله (مرسي) بعد كل طلقة : ” تسلم يا وحش ” .
يبتسم للقذائف المموهة التى تنطلق من جانبه المصري لتدك خط (بارليف) يتعجب من اندفاع الماء لأعلى بقوة وحش ليصنع فجوات في جسد الساتر الترابي الذى سال كقطعة حلوى تحت لهيب الغضب .. يتعجب من الماء الذى يعمل على غير طبيعته ” هل الأرض تحارب مع أهلها كما يقولون ؟!!”
القذائف المرتفعة في الهواء كرنفالية .. إنه العيد الذى تأجل .. ست طائرات حتى الآن كالسنين العجاف التى مضت بخزي النكسة.. كل طائرة بسنة .. سرب ونصف .. يريد أن يجهز على ماتبقى من السرب الآخر فيراوغ ويموه ويراقص الطائرات ثم يقذف فيصيب الهدف..
إنه ” وحش المدفعية ” يسمعها آتية من المدفع المجاور .. لكنه لا يلتفت
لا وقت للالتفات .. الآن وقت الأحمر فقط فلقد التفت كثيرا نحو الفراغ الآسر اللعين .. أحبك يا (زينب) وبعدك ألم ونزولي كان مستحيلاً فكيف كنت سأواجه الجميع ووطني يغتصبه الخنازير في كل ليلة ويصرخ على مسامعى فأسد أذني .. ولكن ماذا عن مخيلتى التى كانت تستبدل صورة الوطن بصورتك الجميلة كل ليلة ؟؟ لقد تعذبت كثيراً وطُوّقت كأننى رجل مخصى .. يخضب يديه بدماء زملائه في كل يوم .. ويحلق شعره بشفرة صرخاتك الحادة .. الآن أرد شرفي وأثبت للجميع رجولتى .
(مرسي) يصرخ : أحماااااد ..
يشعر بسخونة تشعل جسده .. حلقه الجاف يحشرج الهتاف .. سائل مثخن على فخذه الأيسر يسعى .. بعد قذيفة ألقيت منذ قليل صوب مدفعه .. جسده سليم .. لكن (مرسي) الذي تنعجن دموعه بالتراب على وجهه ثم تنزل مكونة دلتا ونهر أسفل هالتى حدقتيه المسودتين مازال يصرخ وينظر له مذعورا .. يداه تعملان بكامل طاقتيهما لكن ساقه اليسري تخور .. لم يعد يسمع الأصوات .. لا قذائف لا ارتطام ولا هتاف .. الصور فقط مازالت باقية.
يمد يده ليمسك بالعجلة ليوجه الفوهة لكن المدفع منقلباً رأساً على عقب .. و (مرسى) يقف فى الهواء أمامه على خوذته .. يصيح منادياً عليه فلا يسمع .. يريد أن يخبره أنه يراه لكن صوته لا يخرج .. يجره بعيداً ويجلس آخر على مدفعه.
يحاول الوقوف دون جدوى .. يلوح زميله للبعيد فيرى آخرون ومعهم حقائب “الصليب الأحمر” .. عرق بارد يغلفه وطنين يصم أذنيه .. يسلم ساقه المنفجرة لأياديهم وينظر للضفة الأخرى فيري (زينب) تقف بفستان العرس وتشير نحوه ليأتي .. فينهض سريعاً دون ذهول .
خفيفاً يطوى المسافات بينهما سائراّ على الجسر العائم .. يطوق جسدها في احتضان أخير فتنغلق ذراعاه على الفراغ .. عند دائرة الضوء يقف .. تحمله الملائكة .. ينظر لجسده مودعاً .. مستسلماً للضوء ينسكب بين آيادهم في انتظار جديد .

مواضيع متعلقة