حكاية مصرية جداً .. (قصة قصيرة )

img

حكاية مصرية جداً
(قصة قصيرة )
د.محمد عبدالحليم غنيم

 

تركاني وذهبا إلى القاهرة ، فبقيت وحيدا ، حاولت أن أنام فلم أستطع ، وكان على أن أكتب خطة البحث ، لتقديمها في الصباح إلى الدكتور المشرف ، صنعت كوبا من الشاي ، ثم جلست لأكتب الخطة ، كانت الخطة مكتوبة بالفعل فلم أجر سوى تعديلات بسيطة ، وأضفت من الذاكرة مجموعة جديدة من المراجع حول الموضوع ، لم أكن أتصور أن الأمر بهذه البساطة ، ربما كنت مستخفا بالموضوع !
عندما وصلت إلى الكلية وكانت الساعة الحادية عشر صباحا ، وجدت أيمن تعيلب قد سبقني إلى هناك ، فالتقيته في حجرة المعيدين والمدرسين المساعدين مع عبد السلام سلام ومحمود عبد الحفيظ ، أخذت استمع إلى هزله الجاد ، ولم يمر وقت طويل حتى أرسل إلينا الدكتور عبد الحميد القط يطلب حضوري أنا وأيمن في مكتبه ، جلس ثلاثتنا ، تركت أيمن يحدثه ، ولكنه التفت إلى بعد قليل قائلا : أظن أننا اتفقنا على الخطة قلت ! بالفعل وها هي معي .. لقد قمت بتعديلات بسيطة وهذه المراجع شئ شكلي فلم أهتم بها كثيراً .
فقال : أعرف .. أعرف
وشعرت أنه رجل طيب دمث الخلق ، فأخذنا نتحدث بعد ذلك في موضوعات أخرى بعيدة كل البعد عن الخطة والبحث ، ولكنه عاد وكأنه تذكر شيئاً قد نسيه ، فقال :
– سأقوم للقاء الدكتور أحمد جمال العمرى
عند ذلك انتفضت قائما ، لم أكن أميل إلى هذا الرجل ، قلت لنفسي وما دخل الدكتور العمرى ! هل لأنه رئيس القسم ؟
وكأن الدكتور عبد الحميد قرأ في وجهي اعتراض على الأمر ، فقال :
– إنه مجرد تعاون بسيط
– ويا لجهلي ، لقد اكتشفت فيما بعد أهمية الدكتور العمري ..
تركنا الدكتور عبد الحميد ، على وعد باللقاء بعد عشرة أيام ، لأعرف إذا كانت الخطة قبلت أم لا ؟ عدت إلى حجرة المعيدين والمدرسين المساعدين مرة أخرى ، ففوجئت بوجود حسن البنا.. يا للمفاجأة السارة !
– كيف حالك .. أنت فين
– حمدا لله على السلامة
– ازيك يا محمد
– وازيك أنت .. رحلة موفقة
– تفضل اجلس .. خير
– كنت قاعد مع الدكتور القط
– خير
– أقدم خطة ماجستير
– عال .. عال .. على فكرة أنا جيت ثاني يوم .. أنت اللي ما جيتش
– لا أنا جيت .. جيت متأخر
– أنا مشيت بدري .. يومها جبت لك كتاب سيرة الأميرة ذات الهمة .
– بتاع نبيلة إبراهيم .. عندي .. آه شكراً .
مر الوقت سريعا ، دخلت نجوى عانوس في الموضوع .
– ماذا تقصد بتوظيف التاريخ في أدب سعد مكاوي ؟
وتحدثت في أنفة وثقة تامتين ، وكانت إجابتي مقنعة ، فانقادت ولانت ، وكنت سعيداً بردى المقتضب واللاذع في ذات الوقت .. كل ما في الأمر كان إحساس بالغرور يجعلني أشعر أنني أمام جماعة من الجهلة .. فهذا موضوعي أنا .. وأنا أعرف سعد مكاوي جيداً ، أعرفه أكثر منكم جميعا .. لم يقرأ أحد منكم له حرفا
ربت محمود عبد الحفيظ في رفق على كتفي ، وقال :
– مبروك
فقلت :
– شكراً .. الله يخليك
وسأل حسن من جديد :
– فين الخطة
فقلت على الفور :
– مع الدكتور عبد الحميد
– لكن يجب أن يكون معك عدة نسخ منها .. صور منها ثلاثة .. أربعة .
– إذا كان الأمر كذلك … استأذن الدكتور عبد الحميد وأذهب لأصورها.
– لن يقول شيئا .
– على أية حال الموضوع هو توظيف التاريخ في أدب سعد مكاوي .
– كويس .. إزاى .
– يعنى قصصه القصيرة .. ورواياته التاريخية : السائرون نياما ولا تسقني وحدي والكرباج.
ثم تركت الغرفة لإحضار الخطة للدكتور حسن وتصويرها في الوقت نفسه . عدت للدكتور عبد الحميد لكي أستأذنه في تصوير الخطة ، ففوجئ بوجودي ، وقال دون أن يعطيني فرصة للسؤال :
– أنت هنا .. كويس .
فقلت :
– خيرا
فقال في حياء وبساطة معا :
– تمضى على الجواب
ولم أفهم شيئا ، فقلت :
– أي جواب ؟
قال :
– الجواب في السكرتارية .. شوف تهاني
وفهمت نصف فهم ، فمن المؤكد أن هذا الجواب يتعلق بالخطة ، ورحت أسأل عن تهاني ، فقالوا :
– عند العميد
فأسرعت الحق بها في مكتب العميد لا أكاد أصدق ، أذن واقفوا على التسجيل ؟ قال لي عم أحمد الجالس في الطرقة أمام المكتب:
– ماذا تريد ؟
فقلت وأنا أشير إلى تهاني ، بعد إذنك أكلم الآنسة ، فتنحى قليلا ، وملت أنا على تهاني :
– فيه جواب لي ؟
فقالت : أيوة .. أهو .
ورأيت الجواب ، رسالة .. اسمي أسفلها . وقعت تحت اسمي وفهمت إذن هو طلب مقدم لرئيس القسم ، يقول فيه الأستاذ المشرف أنه موافق على الخطة والإشراف ، وكان هناك أيضا جواب لأيمن عرفت فيما بعد أن القسم سيجتمع يوم الأربعاء القادم ، بعد يومين ، وسيعرض موضوعي في جدول الأعمال .. يا للبؤس كان يجب أن أتأكد من حضور حسن , إن وجود حسن سيكون في صالحي ، على أية حال لست قلقا من هذه الناحية ، سيوافق القسم . رأيت حسن وعبد السلام ومحمود وهم يهمون بركوب سيارة أحمد يوسف ، فعلمت أنني سأسير وحدي ، ومع ذلك كنت سعيداً ، فانطلقت مبتسما ، لا أكاد أصدق نفسي .. من عجائب هذا الزمن يتعلم الفقراء ويحصلون على أعلى الشهادات , رحم الله عبد الناصر !

د.محمد عبدالحليم غنيم

مواضيع متعلقة