يوم الصيد – قصة قصيرة

img

انتزعني أبى من دفء الفراش , وقال في لهجة حازمة :
– غير ملابسك , واذهب مع جدك هاشم .. الدور عليك اليوم
فركت عيني وتحسست الأشياء من حولي , كأنني في حلم لم أصحو منه بعد وقلت :
– هل الفجر وجب ؟
لم أسمع ردا , ولكنني بعد قليل سمعت صوت أبى في حظيرة المواشي وهو يقول لأمي , التى تطلب منه أن يتركني أنام , لأنني ما زلت صغيرا , والجو شديد البرودة
– حسام لم يعد صغيرا .. لا أستطيع أن أخالف كلام أبى
عند ذلك عرفت أنه لابد من القيام , كما أن الجد لن يدعني أنام هانئا , سيأتي بنفسه ويحملني حملا إلى الخارج القاعة الدافئة , ارتديت بالطو قديم فوق ملابسي , وشربت بعض الماء قبل أن أخرج من المنزل عملا بنصيحة أمي , كنت أعرف أن جدي هاشم ينتظرني أمام الباب الخلفي المفتوح على سكة المعاهدة , استطعت بالكاد أن أراه عبر الظلام الدامس , كان متكوما على نفسه مثل خيمة صغيرة بجوار الحائط , وبجواره شبكة الصيد وعصا طويلة , بدت في يده كعمود لهذه الخيمة المتكومة , اقتربت منه وأنا أظن أنه لم يرني أو يشعر بي في هذه الظلمة الحالكة , لمست كتفه في رفق وقلت :
– صباح الخير يا جدي
رد في ثبات :
– صباح النور يا حسام .. هل أحضرت معك الشوال ؟
قلت :
– نعم
ثم سرت خلفه على سكة المعاهدة المرصوفة بالأسفلت , وبعد قليل عطفنا على ترعة المهندس , فسرنا على طريق ترابي ضيق نتجنب الانزلاق في الحفر الصغيرة وروث البهائم الأخضر , وبعد جهد وصلنا إلى المصرف الجديد , عند ماكينة المياه الميرى , قال جدي :
– اجلس هنا .. ولاتنس تخرج الخبز من الشوال
جلست في حمى جدار الماكينة , ثم أخرجت الخبز من الشوال ولففته جيدا في المنديل , و وضعته بالقرب منى , بينما ذهب جدي إلى الشاطئ , يتفقد المكان المناسب الذي يصلح لوضع الشبكة .
غاب جدي فأخذت أردد ما أحفظه من القرآن الكريم , كلما رأيت خيال أو ظل شئ من بعيد أظنه جنى أو عفريت , استعذ بالله من الشيطان الرجيم , وأعيد من جديد ما قرأته من القرآن , أحاول النوم فلا أستطيع , يخيل لي أن ألسنة من اللهب تتراقص أمامي , ومن وسطها تخرج جنيات تريد أن تلهمني , بعد مدة أظنها دهرا يأتي جدي على مهل , ويلقى بكومة من أعواد الحطب اليابس وبعض الهشيم الناعم بجواري على الأرض , فأفزع , ولكن أشعر بعدها أنني استرددت روحي , فيذهب خوفي , وعند هذه اللحظة , تكون قد انتهت نصف مهمتي , يهزنى جدي بيديه , ويقول :
– هل نمت ؟
فأرد عليه بقوة لأثبت له أنني لم أكن نائما أو خائفا :
– لا .. أنا صاحى يا جد
لا يعلق جدي ويبدأ في رص الحطب فيأخذ شكل هرم صغير , ثم يشعل النار في لفة صغيرة من الهشيم الناعم ويدخله أسفل هذا الهرم , فيبدأ الدخان في الصعود رويدا رويدا , وعندما تزداد كثافة الدخان وتنتشر بقوة , ينفخ جدي بفيه فىالهشيم , فتشتعل النار , ويشتعل وجهه فيبدو مثل ألسنة اللهب التى تخرج مختلطة بالدخان الذي بدأ في الاختفاء .
اقترب بيدي من النار ويحمر من وهجها وجهي , ويكون في ذلك الوقت ضوء النار قد بدأ في كشف مظاهر الكون , فتتحول الأشباح المخيفة والجنيات الرهيبة والعفاريت المتمردة إلى أكوام من السباخ وأعمدة تليفون وأشجار صغيرة نحيفة عارية من الأوراق , في تلك اللحظة التى أشعر فيها بالأمان التام, يتركني جدي من جديد , ليطمئن على وضع الشبكة , ثم يعود بعد قليل وقد أحضر معه عدة سمكات صغيرة , اصطادها بيديه من جيوب صغيرة تكون في باطن جسر المصرف , إنه يعرف كيف يصطاد هذه الأسماك ومتى يصطادها ؟ يلقى جدي بالأسماك فوق النار فتأخذ في التقافز فوقها حتى تستقر ساكنة تماما , وعندما يعبق الجو برائحة السمك الطازج , يطلب منى جدي الملح , فأقدمه له , فينثره فوق الأسماك التى يكون قد تفسخ جلدها , يأخذ جدي بين أصابعه قطعة من السمك الأبيض , يتذوقها , ثم يقدم لي بقيتها قائلا :
– ذق يا حسام
آخذ منه القطعة التى تكون ساخنة جدا , تلسع حرارتها فمي فلا أعرف بالضبط إذا ما كان قد نضج السمك أم لا ؟ لكن رائحة السمك الشهية وشدة البرد وجوعي كل هذا كان يجعلني أقبل فى نهم على الطعام .
مع فراغنا من تناول هذه الوجبة الشهية , تكون الدنيا قد تكشفت تماما , والشمس صارت كتلة لهب دائرية في الركن الشرقي من الكون , بينما النار أمامنا قد أخذت في الخمود , و يجهز عليها جدي بعد وضع فوقها التراب , ثم يقول وهو يدوس بقدمه على التراب :
– هات الشوال واتبعني
أسير خلف جدي على الشاطئ حتى نصل إلى موضع الشبكة فيطلب منى أن أنتظره على الجسر ولا أتحرك بعيدا , ثم ينزل إلى الماء , بعد أن يكون قد خلع جلبابه , فلا يبقى فوق جسده سوى قميص أبيض قصير يكاد يستر عورته , يجذب جدي الشبكة وحده , ولكن عندما تكون الشبكة ثقيلة فيعنى ذلك أن الصيد وفير , عند ذلك أسمع صوت جدي وكأنه قادم من بعيد جدا :
– ولد يا حسام .. انزل يا ولد
يقولها جدي بفرح حقيقي , فأنزل معه , ونبدأ في جذب الشبكة من الماء
– هيلا .. هوب .. يا معين
أردد نفس الكلمات مع جدي , وأخيرا يسحب جدي الشبكة جامعا أطرافها في يده , ثم يحملها برفق إلى أعلى الجسر أما أنا فأسند بيدي معه هذا الحمل الثقيل , أو أدفع بيدي الأسماك التى تريد الإنفلات من عيون الشبكة الواسعة .
عندما نصل إلى الشاطئ يحمل جدي الشبكة ويفردها بعيدا عن أعين الناس الذين يكونون قد بدءوا في الانتشار فوق الطريق الرئيسي وعلى الطرق الجانبية الصغيرة , اتبع جدي خلف شجرة كبيرة أو في أرض خلاء , نفتح الشبكة في حرص , ونبدأ في إفراغ السمك في الشوال فأرى علامات الفرح على وجه جدي , فأنسى ما قاسيته من آلام هذا الصباح , وأسعد لتهليل إخوتى وفرحهم بالأسماك التى سنفرغها في الطشت الكبير بعيدا أيضا عن أعين نساء الحارة , يلم جدي الشبكة ويجعلني أحملها أنا هذه المرة , بينما يحمل هو شوال السمك فوق ظهره في نشاط عجيب فأشفق عليه , وأنا أقول :
– أحمل عنك يا جد
يبتسم جدي وهو يضع يده الخالية على كتفي , ويقول وكأنه لم يستمع لسؤالي :
– أوعى تكون نسيت المنديل
أؤكد لجدي أنني لم أنساه , فيطلب منى أن أضعه فوق رأسي ليقيني حرارة الشمس التى بدأت في الارتفاع , فأفعل وأنا أتقافز أمام جدي كسمكة طازجة متعجلا الوصول إلى المنزل .

 

د.محمد عبدالحليم غنيم

مواضيع متعلقة