الساقي

img

ارتعش الكوب في يده بشده ثم اهتز جسده كله وسقط الكوب منه فوق ملابس الملك مباشرة.. فزع الملك ووقف منتفضًا وهب جميع من كانوا في مجلس الحكم مرة واحدة وحدثت جلبة عظيمة وسارع الحراس بالقبض على الساقي الآثم الذي تجرأ وسكب كوب الماء فوق ملابس الملك المقدسة.
كان الساقي واقفًا في سكون منكسًا رأسه إلى أسفل ولا يعرف ما حل هذه الكارثة التي حلت به.. فلم يجد مخرجًا منها سوى ذرف قليل من الدموع التي بللت لحيته الطويلة.
أشار الملك بأن يعود الجميع إلى أماكنهم وأشفق على الساقي العجوز وأعاد الأمر كله إلى تقدم الساقي في العمر وأن أعصاب الرجل لم تعد تحتمل ثقل كوب الماء الذي يقدمه له كلما أراد أن يشرب، كما أن الملك كان يحب هذا الساقي كثيرًا لأنه كان ساقيًا لوالده الملك أيضًا قبل أن يتوفاه الله بمرض عضال… لم يشأ الملك أن يعاقب الساقي ولم يشأ أن يشعره بأنه ارتكب جرمًا في حق نفسه وحق مليكه الذي يحبه كثيرًا.
تكررت الحادثة مرات ومرات وفى كل مرة كان الملك يلتمس العذر للساقي العجوز لكن الأمر كان في تزايد مستمر مما ضجر معه الملك لعدم قدرة الساقي العجوز على التحكم في أعصابه.. تناثرت الأسئلة تلو الأسئلة في عقل الملك؛ ماذا أصاب الساقي؟ وما العلة التي هاجمت جسده وأفلتت أعصابه بهذا الشكل؟؟
تساؤلات حائرة جالت في عقل الملك ولم يجد لها جوابًا ومن أجل رغبته الملحة فى العثور على إجابة فقد أمر بعقد اجتماع عاجل يجمع حكماء وأطباء القصر حتى يفحصوا الساقي ويدرسوا حالته ويقوموا بتقديم الإجابات الشافية لكل تساؤلات الملك الحائرة.
اجتمع حكماء وأطباء القصر وقاموا على الفور بفحص الساقي فحصًا دقيقًا ولكن نتيجة الفحص لم تمنحهم القدرة الكافية للإجابة على تساؤلات الملك فالرجل معافى تمامًا من جميع الأمراض النفسية والعضوية كذلك خالٍ تمامًا من جميع الأمراض المعدية وصحته في كمالها حتى أمراض العجز والشيخوخة لم تزحف على جسده القوى بعد.
احتار الملك كثيرًا واحتار معه الأطباء والحكماء، وبين حيرة الجميع أشار أحد الحكماء على الملك بأن يغير الساقي بآخر يكون شابًا يافعًا وقويًا يستطيع أن يقدم الشراب للملك دون أن يبلل ثيابه في كل مرة. لكن الملك رفض هذا الاقتراح تمامًا حيث إنه يحب هذا الساقي كما أنه لا يثق في أى ساقى جديد قد يدس له السم فى الشراب ويقتله. فأمر الملك بأن يجمع جميع أطباء وحكماء المملكة بأسرها طالما أن أطباء وحكماء القصر عجزوا عن إيجاد إجابات شافية لتساؤلاته عن صحة الساقى وأسباب سقوط الكوب منه فى كل مرة يقدم فيها الشراب للملك، فاجتمع أطباء وحكماء القصر مع جميع أطباء وحكماء المملكة وأخذوا يفحصون الساقى ويدرسون حالته جيدًا وأمضوا فى ذلك الأيام والشهور والسنين ولكن أحدًا لم يفلح فى الوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء ما أصاب الساقى من رعشة فى الأعصاب واهتزاز للجسد كلما تقدم للملك بكوب الشراب..
ازدادت حيرة الملك وتعجبه من المستوى المتدنى لجميع حكماء وأطباء المملكة حتى الذين اصطفاهم لنفسه فى القصر الملكى مما جعل الشك والريبة يهاجمانه بقسوة خشية من عدم قدرتهم على علاجه ومداواته لو أصابه مكروه ما، وقرر الملك أن يطرح القضية برمتها على مجلس الحكم والنظار جميعهم عله يجد عند أحدهم جوابًا شافيًا يوضح له أسباب ما وصل إليه الساقى من حالة متردية.. وبينما مجلس الحكم مجتمعٌ بأكمله وهم يناقشون الأسباب الحقيقية وراء ما حدث للساقى إذ بأمير صغير من أبناء الملك كان يلهو بجوار مجلس الحكم وكان لا يشعر بوجود أبيه فى حياته أو وجود أمه كذلك حيث كان يقوم بتربيته مربون متخصصون في ذلك ويعلمونه معلمون متخصصون أيضًا، فلم يشعر الأمير بأهمية وجود أبيه وأمه في حياته قط وكثيرًا ما يحنق عليهما لأنه يريدهما فى حياته.
صاح فى الجميع فجأة وقال: لا ترهقوا أنفسكم.. هذا الرجل مقهور مقهور.
نطقها الجميع فى نفس واحد بما فيهم الملك الذى صاح فى الأمير الصغير بغضب وقال له:
مقهور.. ماذا تعنى بكلمة مقهور هذه يا أمير؟
رد الأمير الصغير:
مقهور يعنى مقهور.
– وهل تظن أن أباك ظالم حتى يقهر أحب الناس إليه؟
– أنا أعرفك تمامًا يا أبى وأعرف حبك له كما أننى أعلم كم أنت عادلٌ فى حكمك، ولكن ما أصاب الساقى هو القهر.
– تعود مرة أخرى إلى هذه الكلمة يا أمير؟!
– أنا قلت ما أعرفه يا أبى وأنت من علمنى ألا أقول إلا ما أعرفه.
– ولكن من أين لك المعرفة وأنت ما زلت صغيرًا؟
– المعرفة ليست لها سن يا أبى.
– أحسنت يا أمير. اذهب الآن إلى معلميك أو مربيك علهم يحتاجون إليك فى أمر ما.
– سمعًا وطاعة مولاى الملك.
ذهب الأمير الصغير إلى أمه الملكة ثم اتجه الملك نحو مجلس الحكم وقال لهم بحزم: ما رأيكم؟
نطق الجميع فى نفس واحد:
رأينا؟ فى أى شئ تريد رأينا يا مولانا الملك؟
– فيما قاله الأمير يا سادة؟
ضحك لجميع وقالوا فى نفس واحد:
إنه طفل صغير يا مولاى. هل سوف نحكم المملكة بآراء الاطفال؟
– لكننى مقتنع بكلامه فما رأيكم؟
– الرأى لمولانا أولا وأخيرا يا جلالة الملك.
– إذًا فلينفض المجلس ونبحث عن أسباب قهر الساقى والحالة المتردية التى آل إليها.
انفض مجلس الحكم سريعًا وأخذ الملك يفكر كثيرًا فيما قاله الأمير، ويحاول أن يبحث فى ثنايا ذاكرته عن أى مواقف أو قرارات كان قد اتخذها أو حفظتها ذاكرته عندما كان شابًا يشارك والده الحكم قبل أن يتولى هو شئون المملكة كانت ضد الساقى وجعلته يصل إلى الحالة المتردية التى هو عليها الآن، لكنه لم يجد وكاد عقله أن ينفجر من التفكير.
فى هذا التوقيت تمامًا دخل عليه الساقى حاملًا كوب الشراب وقبل أن يتقدم إلى الملك عاجله الملك بكلماته المتسارعة:
ضع كوب الشراب عندك على المنضدة وتعالى إلىّ.
ازدادت رعشة الساقى وخاف أن يكون الملك قد سأم منه ومن حالته وأن حبه له قد اختفى، وسيحكم عليه حتمًا بقطع رأسه.
بكلمات مرتعشة خرجت بصعوبة من فم الساقى الجاف:
سمعا وطاعة يا مولاى الملك.
– قل لى هل تشعر معى بالقهر يا ساقىّ العزيز؟
بهت الرجل من كلام الملك ورد بسرعة شديدة: حاشا يا مولاى.. إنى أحيا فى رغد من العيش وسعيدٌ بتقربى منك وسعيدٌ أكثر بحبك لى الذى أشعر به من نبرات صوتك وجلالتك تتحدث معى.
– قلت لك هل تشعر معى بالقهر؟
ارتبك الساقى العجوز وعادت له الرعشة أكثر من الأول حتى أن قدميه لم تعودا تقويان على حمله، فاستأذن الملك أن يجلس على إحدى الوسائد القريبة فأذن له الملك على الفور إكرامًا له ولحبه الشديد له.
جلس الرجل واضعًا وجهه بين كفيه والدموع تنهمر بغزارة من عينيه.
– لم تجبنى. هل تشعر معى بالقهر؟
لم يستطع الساقي أن يفتح فاه وظل صامتًا حتى صاح فيه الملك:
إنى أنتظر إجابتك فهل سوف يطول انتظارى يا أيها الساقى الجميل؟
الكلمات الأخيرة أدخلت الراحة والسكينة على نفس الساقى وكف قليلًا عن البكاء، وتحرر كثيرًا من تحفظاته وقال للملك:
أنا لا أعرف ما أنا فيه، قهرٌ أم ماذا يا مولاى الملك!
– إذًا احكِ لى عما أنت فيه يا رجل يا طيب.
اعتدل الساقى فى جلسته حتى أصبح وجهه فى مواجهة وجه الملك مباشرة وقال له:
لقد انتزعنى والدك الملك وأنا طفل صغير من أحضان أمى ودفء أبى، وجاء بى إلى القصر هنا دون رغبة منى، فقد كنت صغيرًا أو لا أعى أهمية أن تكون ساقيًا للملك، ومنذ ذلك اليوم لم أرَ أبى وأمى وأخوتى أو حتى أعرف عنهم أى شئ، وظل هذا الأمر محبوسًا فى داخل روحى طيلة هذه السنوات كلها، ولم أشأ أن أفضفض مع أحد أو أخبر أحدًا. وقد كنت حتى وقت قريب راضيًا بما كتبه الله لى وسعيدًا بتقربى منك مثلما كنت فرحًا وسعيدًا مع والدك الملك.
عندما كبرت وفهمت الدنيا وفهمت معنى أن تكون ساقيًا للملك وتعيش فى قصر الحكم بجانب الملك والأمراء ونظار الحكم.
– وماذا أيضًا؟
لا شئ يا مولاى، فجأة انفتح جرح روحى على مصراعيه، وظلت روحى تنزف منه حتى خارت قواى، ولم تقوَ أعصابى على حمل شئ.
– رائع كلامك أيها الساقى الجميل.
تعجب الساقى وظن أن الملك سيستهزئ بكلامه وأن قراره بقطع رأسه قادم لا محالة.
– إنى معجب جدًا بصراحتك وبتلقائيتك، ومن أجل هذا سوف أجعلك كبير السقاة بالقصر وتشرف بنفسك على مجموعة السقاة الشباب الذين سوف يختارهم ناظر النظار بنفسه وسوف أشدد عليه ألا يحضر أحدًا عنوة أو ينتزعه من حضن أمه أو دفء أبيه.
فرح الساقى بقرار الملك ونسى نفسه تمامًا حتى كاد من فرحته أن يأخذ الملك فى حضنه، إلا أنه تراجع أخيرًا عندما وجد لمعان غريب فى عينى الملك وحاول أن يتماسك وهو خارج من مقر الحكم من شدة فرحه وسعادته لقرار الملك إلا أنه سقط مغشيًا عليه، بينما راح الملك يفكر فى أمر الأمير الصغير.

مواضيع متعلقة