سبط الراهب

img

– كرحمتك يارب وليس كخطايانا……………………..
بعد أن أنهى صلاة الغروب شخص ببصره بعيداً صوب مساحات الرمال المفرودة أمامه سرح…., الجميعانه لم يدم كثيراً فاستيقظت عيناه على إعداد كبيرة من البشر تكاد تطمس قرص الشمس الدامي وهو في لحظات احتضاره الأخيرة , الجميعع يرتدون المسوح السوداء ويتجهون ناحيته بسرعة شديدة …تعلم من خلوته مع الله وحياته في البرية إلا يرتجف قلبه أبدا فلم يفزع للمنظر ولم يرهب قلبه بل رفع عينيه إلى السماء وصلى في صمت حيث انه اعتقد أن احد الأديرة القريبة منه قد أصابه اضطهاد ما وهرب ما به من رهبان أو أن هذه الجماعة جاءت لتتبرك منه … اقترب منه الجمع أكثر فأكثر ..لم يهتز حتى لمس أولهم قدميه بعد أن ركع أمامه وصرخ بصوت عال ثم احترق وهكذا فعل الذي يليه…عرف أن الملعون يحاربه ظل الجمع يتدفق واحد تلو الأخر يركع تحت قدميه يقبلهما ثم يصرخ ويحترق….كان في كل مرة يصرخ هو بأعلى صوته …يا رب …يارب حتى جاء أخر شخص من الجمع وركع تحت قدميه مثلمايطير:ابقوه ولكنه لم يحترق مثلهم بل تحول إلى غراب وقال له :
– بطهارتك ونقاوتك وصلواتك طهرت البرية من الشر .
ضحك الراهب وردد بينه وبين نفسه متابعاً الغراب وهو يطير :-
– بطهارتك ونقاوتك وصلواتك طهرت البرية من الشر .
لم يشغل باله بما حدث لأنه يحدث معه كل يوم بل كل ساعة وكل دقيقة ولكنه لا يعرف لماذا اهتز قليلاً داخلياً لهروب هذا الأخير في صورة غراب ولماذا ارتجف عندما قال له ما قال ؟ ولماذا ردد معه نفس كلامه؟
عبث في لحيته الطويلة التي تنتهي بأطراف تميل إلى اللون الرمادي الداكن، صدرت عنه آه ارتياح…دخل قلايته تناول كسرة الخبز الجاف الباقية من طعام الصباح .
ذهب إلى البئر الذي حفره منذ زمن لكي يرتوي بقليل من مائة، فلاحظ انخفاض منسوب مياهه عن المعتاد..لم يعر الأمر اهتماماً …حاول أن يستريح قليلاً حتى يستطيع السهر كما يفعل كل ليلة لكن صورة الغراب لم تفارق خياله بعد…انحرف فكره واخذ يعدد التأويلات والتفسيرات حتى يجد مبرراً مقنعاً لما يحدث…فارتاح أخيرا عندما أيقن تماماً أن هذا الغراب هو عدو الخير .
انه الملعون الذي يهاجم وحدته كل حين لكنه في هذه المرة برع في اختطاف قلبه وعقله وشغله عن من يحب… انتصف الليل وهو يقرأ في أنجيل “متى” متمماً صلاة نصف الليل وعندما جاء عند قول السيد المسيح:-
“اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم واعلموا هذا لو عرف رب البيت في أي هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب لذلك كونوا انتم أيضا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان ” في ذلك الوقت دخل عليه الغراب وحط على كومه الخص التي يصنع منها السلال التي يبيعها له تلميذه “سيحه” ويشترى له بثمنها قوته الزاهد …فجأة تتماماً.ام إلى أنثى بارعة الجمال…عارية تماماً …بيضاكالثلج. …تتأوه في غنج لا يتناسب معه كمتوحد ولا يتناسب مع وحشة البرية وتقشف القلاية …وقبل أن يرسم عليها علامة الصليب تبخرت الأنثى وخلفت ورائها رائحة شياط لم يستطع معها البقاء في القلايه فهرع إلى الخارج …لسعه برد طوبه القارص ولكن من فرط إحساسه بالذنب تخلص من كل ملابسه واخذ يتمرغ عاريا على الرمل البارد وهو يهتف بأعلى صوته:
– سامحني أنا الخاطئ …………سامحني أنا الخاطىء ………
عادت إليه الأنثى مرة أخرى وتحولت مع عودتها الرمال الباردة إلى فراش وثير …تبادل معها القفشات والضحكات وهى تعبث بلحيته وفى كل مرة تعبث بيديها فيها تنتزع بعض الشعيرات الغريب انه ليشعر مع هذا الانتزاع باي الم . أخذا يتمرغان على الفراش الوثير و هما عريانان تماماً. اقتربت من فمه بشدة بشفتيها الرقيقتين …لم ينتظر التهمها في شبق غريب وراح يطابق جسده على جسدها تماماً مع مراعاة الفروق بينهما حتى رقد العاشق في المعشوق مع حدوث اهتزازات عنيفة كانت تدغدغ مشاعره ويروق هو لها كثيراً. طل نور الصباح ..مازال راقدا على الرمال …طل نور الصباح أكثر حتى توسطت الشمس صفحة السماء …راحت عليه صلاة الستار وصلاة باكر وهما ما تعود عليهما طيلة ثلاثين عاماً خلت…طافت بجسده لسعة خفيفة من أشعة الشمس التي تركزت عليه تماماً …بثقل واضح فتح عينيه ….كأن حلماً ما أو كابوساً مازال جاثماً على صدره تناول بعض الرمال الدافئة واخذ يدعك بها صدره ويغسل وجهه بها أيضا ، عندما وقعت عيناه على جسده العاري هب فزعاً وهرب إلى القلاية …حاول أن يستر نفسه لكن الشمس سقطت فجأة في بحر الرمال الذي ابتلعها بسرعة…أظلمت الدنيا تماماً وكان الليل هبط فجأة أو ذهب نور عينيه…شق هذه الظلمة نور فج من الكوة الوحيدة الموجودة في قلايته بأعلى بابها من ناحية الشرق… مرة أخرى دخل الخوف والهلع إلى قلبه تلفت في جزع حوله… لم يجد أحدا حتى أتاه صوت من قلب النور يقول له:-
– أين أنت…..أين أنت ؟
قال للصوت بارتجاف :-
– أنا هنا لكن عندما سمعت صوتك في البرية خشيت لأني عريان . رد عليه الصوت مرة أخرى :-
– من أعلمك أنى عريان.
لم يشأ أن يرد على الصوت بل ارتدى ملابسه بسرعة وبسرعة أكثر هرول إلى الخارج …
الغريب أن قرص الشمس لم يسقط….ولم تبتلعه الرمال بعد …لكنه حاول أن يتوكأ على أجبيته التي سهر ذات ليلة لينسخها بخط يده …. حاول أن يصلى صلاة باكر وصلاة الساعة التاسعة لكنه تذكر أن “سيحة” لم يأت حتى الآن رغم أن اليوم موعده …تشكك في اليوم …فربما يكون موعده غداً ، لكن الذي أكد أن موعد “سيحه” اليوم هو أن طعامه الذي ياتي له به كل أسبوع انتهى ليلة أمس واليوم هو أول أيام الأسبوع وهو موعد “سيحه” المعتاد …لم يشغل باله كثيراً واخذ يعدد له الأعذار التي من الممكن أن تمنع “سيحه ” من الحضور رغم أن ” سيحه” خادمه منذ ثلاثين عاما لم يتخلف فيها أسبوعيا عن الحضور إليه . في المساء لا يعرف من أين عرف خبر وفاة “سيحه ” لكن بعد أن عرف لم يهتز من هذا الخبر المفاجئ ولم تتحرك له مشاعر وظل يشغل باله بأسئلة كثيرة …. من سوف يبيع له السلال ؟ ومن سيشترى له قوته ؟ تبدلت اهتماماته ، لم تعد كلمات مثل ( معك لا اريد شيئاً على الأرض ) تجد مكاناً لها في قلبه أو عقله وحل مكانها من أين سوف اقتات ؟ ومن سياتي لي بالطعام؟ … قطع تمزقه هجوم الغراب علميه مرة أخرى الذي بمجرد أن اقترب منه تحول جناحه إلى كف إنسان يربت على كتفه ويقول له:-
– لا تقلق وأنت معي!. معي لن ادعك تريد شيئاً على الأرض . لم ينتظر الغراب أن يسمع رده ولكن تركه بعد أن وعده بإحضار الطعام له يوماً بيوم ، استمر الحال على هذا الوضع حتى كان مساء احد الليالي بعد مرور تسعة اشهر منذ واقعة تمرغه مع الأنثى الحسناء على الرمال .سمع طرقات خفيفة ناعمه على باب قلاويته. هب منزعجاً والهواجس تكاد تنهش قلبه الذي ضعف … فتح الباب … طالعه وجهها الصبوح الذي لم ينسه مطلقاً… لكنها لم تكن بمفردها بل كانت تحمل على صدرها طفلاً رضيعا ارتمى في حضنه فور رؤيته له ورغم أن الطفل صغير جدا ولم يتعلم الكلام إلا انه قال له بصوت مملوء بالدموع:-
– آبى أين أنت ؟!!
لم ينطق الراهب بكلمة ولم تنطق هي بكلمة بل تركت معه الطفل وجرت مهرولة واختفت قبل أن تغيب عن عينيه.
كان الطفل يكبر وينمو دون طعام أو رعاية ليس ككل الأطفال لايبكى ولايبول على نفسه وعندما احتار فيه بنى له قلاية بالقرب من قلايته وتركه فيها بمفرده ولم يكن يزوره إلا مرة واحدة كل يوم في المساء.
وفى السنة التالية تكرر ماحدث من قبل مرة أخرى وفى نفس موعد الليلة الماضية جاءت إليه الأنثى العارية وفعل معها ما فعله من قبل وبعد تسعة اشهر تماماً أتت إليه بطفل أخر فبنى له هو الأخر قلاية بجوار قلاية اخية… ومرة أخرى تكرر معه نفس الشيء وفى نفس الليلة من العام وبعد أن تمر تسعة اشهر تأتى له الحسناء بطفل يبنى له قلاية جديدة…. لايعرف ماذا يفعل بكل هولاء الأطفال؟؟! حاول جاهداً أن يوقف ما حدث له حتى انه في الليلة المحددة في الليلة الثانية عشرة هرب من قلايته تاركاً أطفاله الإحدى عشر وذهب إلى المدينة التي تبعد عن قلايته حوالي 50 كيلو متر وصلى في كنيستها ولم يشاء أن يعود مرة أخرى إلى قلايته حتى يكفر عن خطاياه التي تعاظمت فظل يبكى ويبكى حتى نام في المذبح … داهمت مرقده داخل المذبح نفس الأنثى وكان يفعل معها كل مرة…وبعد أن مرت التسعة اشهر أتت له بالطفل الثاني عشر الذي بنى له هو الأخر قلاية بجوار قلايات إخوته …
انتفض فجأة ونفض شعره من الرمال التي ملأته … ارتدى ملابسه… دخل قلايته لم تذهب بعد رائحة الشيطان التي مازالت تعبق جو القلاية الخانق. استرعى انتباهه أن الغراب مازال رابضاً فوق كومة الخوص ، وعندما وقع نظرة على الغراب لم يعد يشم رائحة الشياط ولم يختنق جو القلاية بعد… تأمل الغراب كثيراً مازال ليل الشتاء يزحف بطيئاً نحو النهار. اقترب من الغراب الذي استسلم ليديه في وداعة غريبة … تناول سكينة قديمة منزوعة اليد الخشبية يعلو سلاحها كثيراً من الصدأ ، خرج من القلاية وفى ضوء القمر الذي يملا المكان سجد بجوار البئر بعد أن مسح الصحراء بعينية لم يجد أثرا للقلايات الأثنى عشرة التي ظن انه بناها … رفع قلبه إلى السماء بصلاة قصيرة وعندما هم بذبح الغراب افلت من بين يديه بصعوبة وهو يقهقه بضحكات مقيتة ضغطت علي روحه بشده حتى طارت مع الغراب إلى حيث لا تعلم.

مواضيع متعلقة