الضفة الأخرى

img

أمى !
جئت لأننى أشعر بفزع ، وفراغ نفسى يقتلنى ، أنا فى حاجة إلى حضنك الدافىء ياأمى ، كى أذكر أولى خطواتى ، وأنا أحبو نحو المستحيل ، وأضع كتاب دارون (أصل الأنواع) اخل كتاب المحاسبة ، وأقرأ بتمعن وأنتباه ، وأنتِ تقدمين لى كوب الشاى الساخن الذى أحبه بعد العشاء ، وقد شد أنتباهك الفطرى أننى لا أذاكر فى كتب المدرسة ، ولكننى أقرأ خلسة كتب (الكفرة) كما كنت ِ تسمينها .
معذرة ياأمى حين أخذنى الكتاب منى وقمتى بتمزيقه بشدة وعنف وعفوية مفرطة ، وبقلب أم خائفة على مستقبل أبنتها ، كنت فى اليوم التالى أقرأ كتاب ماركس (رأس المال) وانا غير حذرة ولا أتوجس خيفة منك ، لقد أنكشف الغطاء الذى كنت أخفيه ، وأصبحت أقرأ وبلا تردد أو مواربة كتب الكفرة التى أصبحت تملأ حجرتى ، وعن طيب خاطر ، أصبحتى تقدمين لى كوب الشاى الساخن بعد العشاء ، وأنا أمسك فى يدى كتاباً مختلفاً عن كتب المدرسة ، وأقرأ بتمعن شديد ، وأنتِ تدعين لى بالصحة والنجاح .
لقد أصبحت ياأمى أكثر بجاحة وحرية عن ذى قبل ، بعد أن كشفتى بيديك الطيبتين الغطاء ، وأصبح مسموحاً لى فى حضرتك قراءة الكتب والمجلات ، وسماع الموسيقى أيضاً ، لقد أصبحتى لا تخافين علىَ ، ولا تخشين السقوط فى الأمتحانات .
وتمددت ساعات تأخرى خارج البيت بدلا من الساعة الثامنة مساءً ، وأنا أجرى خائفة ومرتعشة بين الطرقات والأزقة كى ألحق الباب الكبير قبل أن يغلق بالقفل الحديد ، أصبحت أسهر إلى الساعة العاشرة ، والحادية عشر ، أذكر جيداً ياأمى عندما أتيت إليك فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، وقد نام جميع من فى البيت ، أخوتى وأبى ، وهدأت كل الأصوات ، عدت فى هذه الليلة حاملة شنطة كبيرة مليئة بالكتب الحمراء والتى كنت تعرفينها جيداً من غلافها الأحمر الجلد السميك الذى عليها ، ولأول مرة أضحك بملئ قلبى فرحاً ، وأنا اقبلك للأننى يومها أشتريت العمال الكاملة للشعراء (أدونيس ومحمود درويش وصلاح عبد الصبور) من معرض القاهرة الدولى للكتاب ، والذى نقل من أرض المعارض إلى منطقة مدينة نصر ، والتى كانت تعتبر من وجهة نظرك ياأمى أنها آخر الدنيا .
يومها ضحكت وأنا أستدفىء بيديك الدافئتين ، وأتدلل عليكى بحنو طفلة صغيرة ، قامت منذ سنوات بقص شعرها الطويل إلى قصة جديدة عليك اسمها (كارية) يومها ضحكتى وبكيتى ياأمى وأنتِ تمزحين معى وتقولين لى بعفوية وحب وحزن (ياقارعة) لقد رأيت الدموع فى عينيك يومها ياأمى لماذا لا أعرف ؟
وعندما دخلت عليكِ المطبخ وأنا مبتهجة وسعيدة بقصة شعرى الجديدة وفى يدى أول قصة نشرت لى فى مجلة القصة ، نظرتى نحوى فى صمت ملىء بالشجن والحزن والفرح والدموع ، كان شعورك ناحيتى ملتبس بالخوف والفرحة ، الخوف من المستقبل المحفوف بالمخاطر والذى أخترته لنفسى ، والفرح بأننى كبرت ، وصار عمرى أثنين وعشرين عاماً ، ولم أعد تلك البنت المطيعة الطيبة التى كانت من صنع يديك ، نعم ياأمى لقد اصبح عمرى الآن أثنين وعشرين عاماً ، وأجهز نفسى لكى أكون كاتبة مختلفة ومستقلة ، لقد رفضت جميع عروض الزواج المبهرة التى قدمت لى عبر الأهل والقارب والأصدقاء والجيران ، وربما أكون أضعت فرصاً ذهبية كنتِ ترينها من وجهة نظرك طيبة ، ومن خلال قلب الأم الذى يتمنى الستر لأبنته الوحيدة ، البكر الرشيد ، أنا اخترت القراءة والكتابة (المفسدة) كما كنتِ تقولين لى ذلك دائماً ، وتحذريننى منها ياأمى (من كتر علمه، كتر سمه) كنت تحبين فقط أن تمحى أميتى ، أقرأ وأكتب ، وأكتفى بشهادة متوسطة ، هى بالنسبة لكِ كانت الحلم الذى لم تحقيقينه لنفسك ، فكان هو حلمك بالنسبة لى ، ولكننى جئت طفلة متمردة ، ثائرة على التقاليد والعراف والصمت ولأستكانة ، والضعف وقلة الحيلة ، كنتِ تودين لى ياأمى الستر ، والستر من وجهة نظرك هو البيت والزوج والولاد ، وانا كان الستر من وجهة نظرى هو التمرد والثورة على كل ما هو معطل ، ولقد فلت العيار .
لقد سمعتك ذات يوم وأنتِ تحدثين جارتك عنى خلسة ، وتشكين لها أفعالى الطائشة ، وأطوارى الغريبة ، والكتب التى ملأت الحجرة ، ودسستى السم فى أذنيها ( البنت عيارها فلت) لقد رفضت (الدكتور والضابط والمهندس) هى بتدلع على إيه ؟
هذه هى جملتك الحزينة الواضحة التى دقت فى قلبى مثل المسامير ، وثقبت طبلة أذنى مثل دانة المدفع ، فقمت من النوم وأنا حزينة وغاضبة ، لماذا لا تفهمين مشاعرى ؟
فأنا الرقيقة الطيبة ، قررت فجأة أن أختار حياتى ، وأخرج عن المألوف ، وقد رأيت جميع التجارب السابقة محزنة ، صديقاتى أين هن الآن ؟
هل نسيتى ياأمى بكاءك ليلاً بصوت خفيض ، وأنا اسمع أنينك المتواصل ودموعك التى كانت تملأ المخدة ، كما كنتِ تحكين لجارتنا أم مريم ، وتقصين عليها قصص المأسى والتضحية العظيمة من أجلنا ، وبقاءك مع زوج تزوج أكثر من مرة ، هل تنسين ياأمى يوم أخذتينى أنا وأخوتى الصغار إلى منطقة مصر الجديدة ، فى الساعة السادسة صباحاً ، والجو مازال مغبشاً بالضباب كى تضبطين أبى وهو عند زوجته الجديدة ؟ وكيف تركك أنتِ وأولادك ، وكنتِ طوال الطريق تحكين مع نفسك المنقسمة إلى نصفين عن مدى المعناة النفسية التى تشعرين بها وكم من تضحيات تقدمينها من أجل البقاء على هذا البيت مفتوحاً .
لن أنسى ياأمى أبداً ماحييت هذا المشهد من خلال عينيى طفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها الثمانى سنوات ، وتمسك فى يدها أخيها الذى عمره أربع سنوات ، وانتِ تحملين على صدرك طفلاً رضيعاً ، وباليد الأخرى تجرجرين طفلاً عمره عامان .
وفتحت لنا الخادمة الباب ، وجلسنا .
فى الصالة الكبيرة ، ننتظر بشغف أن يصحو البيه والهانم ، نعم ياأمى ، أذكر جيداً أن العروسة الجديدة كان اسمها (هانم) وقد رأيتها وهى تتسحب من حجرة النوم الداخلية ، وتتجه نحو الحمام الذى يقع فى آخر الطرقة الطويلة ، كان شعرها الأشقر الطويل متناثراً على كتفيها ، وترتدى قميصاً أحمر بلون الدم ، دمنا جميعاً (أنا وأنت وأخوتى) والجدة القابعة فى البيت هناك تنتظر عودة أبنها الغائب عنها منذ شهور .
أذكر شجاعتك المغلفة بالهزيمة ، والهزيمة المغلفة بالنصر !!
وأنت تحاولين أسترداد الزوج الهارب من البيت ، المتخازل عن واجباته أمام أمه القوية ، العنيفة . لقد سمعتك تقولين له بالحرف الواحد ، عندما حضر من حجرة النوم بالبيجاما الحمراء الحريرية : حقك علىِ ياأبن عمى ، بيتك وولادك وأمك لهم حق عليك .
لم تقولين سوى هذه الجملة ياأمى ، لقد رأيتها تخرج من بين شفتيك الحزينتين بحرارة ومرارة وصبر ، وأبتسامة خجلى ترتسم على شفتيك ، وأخى الصغير يترك صدرك ويرتمى على صدر أبى ، وأخى الأصغر الذى عمره عامان فقط ينط قافزاً فوق حجرة مثل قرد صغير ، وظللت أنا وأخى الذى يصغرنى بعامين ، ظللنا مكاننا صامتين ، نتأمل مايحدث فى صمت ، كنا مهذبين ، لاننطق بكلمة ، ولا نهرول نحوه ، فقط أكتفينا برؤيته وهو يداعب شعر أخينا الصغير ويحمل الآخر ويأخذه فى حضنه الواسع العميق ، كنا غاضبين بأعتبارنا الأكبر والأكثر وعياً بما يحدث .
من يومها ياأمى وأصبح هذا المشهد نبراساً لى ، لن أقترب من الرجال مهما كان وجودهم ضرورى ومهم ، أصبحو لا يشكلون لى أى أهمية تذكر ، كنت أنصب ليل نهار على كتبى أذاكر كى أنجح وأكمل دراستى التى حرمتى منها يوم أخذتك جدتك من المدرسة كى تساعدين أمك فى البيت ، وترعين أخوتك الصغار ، عرفت هذا لأنك ونحن فى طريق عودتنا إلى البيت كنت اسمعك تحدثين نفسك بأستمرار حديثا طويلا لا ينتهى إلا بجملة واحدة (أنا لو كنت أتعلمت ، وخدت شهادة ، وأشتغلت ، مكنتش أتحوجت لك أبداً) وعدنا إلى البيت وصوت هذه الجملة تدق فى رأسى ، أصبحت تخايلنى مثل النحلة الطنانة ، وربما لهذا اليوم أكره اللوم والحديث الهامس مع النفس ، والضجيج ، والصوت المرتفع ، أنتِ ياأمى لا تعرفين جيداً ، مايخزنه الأطفال فى ذاكراتهم ، ومايتركونه يسقط يسقط ، ومايظل فى أذهانهم لأيام وسنوات طويلة ، ويساهم فى تشكل الوعى وفى مستقبلهم ، لقد خزنت فى ذاكرتى كل ماهو حزين ومأسوى ومدمر ، لقد سمعتك تحكين لجارتنا أم مريم كاتمة أسرارك ، أنكِ منذ هذا اليوم ، اليوم المشؤم الذى أخذتينا فيه وذهبنا معك إلى بيت زوجك وزوجته الجديدة ، وأنتِ ترفضين معاشرته ، أصبح أبى بالنسبة لكِ ماكينة فلوس كى يصرف على البيت ، إنه البنك المتنقل الذى يأتى ويرمى لنا مصروف الشهر ، كنتِ تقولين لها بحزن وأسى (بيعاملنا على اننا شوية فراخ يرمى لهم الأكل ويمشى) صار هذا هو نموذج الرجل الذى لا نراه إلا نادراً وفى المواسم والأعياد .
وصرتى أنت أمى الحزينة النواحة الخادمة فى البيت لأولادها ، لقد صنعتى لى صورة ذهنية عن المرأة المقهورة والتى تحمل آليات قهرها دون وعى منك بذلك ، وعندما كبرت بعض الشىء ، أذكر جملة صغيرة قلتها لك ياأمى وأنا فى الرابعة عشرة من عمرى (لماذا لا تتركين البيت له) جملة كنت أراها قاسية بالنسبة لك ولى ، ولكنك بادرتى بغجابة لم أهضمها جيداً ، ولم تعجبنى طوال حياتى (حتى لو غضبت ، ورحت عند أبويا ، هرجع تانى) كان هذا هو أخر حوار دار بيننا على مدى سنوات عمرك الباقية ، لم أعد أطلع على أسرارك التى تحكينها للجارات بعد سفر جارتنا أم مريم عقب حرب أكتوبر وبشكل سريع وسري ، لا أعرف بالضبط وإلى الآن مازال هذا السؤال يؤرقنى ، لماذا تركت جارتنا أم مريم البيت ، وعادت إلى بلدتها هى والأولاد فى الصعيد ؟ يؤرقنى بشدة لأننى لا أجد إجابة واضحة وشافية بالنسبة لى .
وكل يوم أسأل أمى : لماذا سافرت جارتنا أم مريم هى وأولادها ، وعادت إلى أهلها هكذا فجأة وتركت البيت ؟ بدون مبررات أو أسباب تذكر ، فى أثناء حرب أكتوبر وأثناء موقعة الثغرة ، وحصار الجيش الثانى الميدانى ، سافرت جارتنا أم مريم هى وأولادها إلى الصعيد ، فؤجنا ليلة العيد فى 29 رمضان ، يوم 25 أكتوبر تقول لنا بالحرف الواحد ليلاً : ياجماعة أشوف وشكم بخير .
ورحلت ، تركت الشقة المواجهة لنا فى البيت بعد عشرة دامت أكثر من ثلاثة عشرة عاماً تقريباً ، كما قالت أمى بعد رحيلهم منذ 1960 وهم يسكنون فى البيت معنا ، وكنا كالأخوات .
ورغم أن أبن أختها (مهنى) والذى سوف يصبح زوجاً لأبنتها مريم فيما بعد ، كان محاصرا مع الجيش الثانى الميدانى فى منطقة الثغرة بمدينة السويس .
نزل الحزن مضاعفاً على قلب أمى وقلبى ، أمى سوف تفقد جارتها الطيبة ، وأنا سوف أفقد صديقتى الوحيدة ، ولهذا أغلق باب الشقة المواجهة لنا لمدة أربعة أعوام كاملة ، شقة خالية من أصحابها تماماً إلى أن تركنا البيت فى عام 1977 .

مواضيع متعلقة